خبراء ودبلوماسيون يناقشون في أصيلة مستقبل الديمقراطية الانتخابية

موراتينوس: العالم يشهد نموذجا سلطويا بامتياز

عبر خبراء ودبلوماسيون مغاربة وأجانب عن تخوفهم بشأن الديمقراطية الانتخابية التي تعيش محكا حقيقيا في ظل تراجع دور المؤسسات وغياب الثقة لدى المواطنين في النخب السياسية فضلا عن تراجع التعددية الحزبية.

تنامي ظاهرة الضيق من الديمقراطية

وقال محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، مساء اليوم الأربعاء، في الجلسة الافتتاحية لندوة “أي مستقبل للديمقراطية الانتخابية”، والتي تنظم على هامش الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي ال42، أن بروز وتنامي ظاهرة الشعور بالضيق من الديمقراطية تتزامن مع منتصف العقد الأول  من القرن الحالي، وذلك نتيجة التأثر بالأزمات المالية والاقتصادية وفضائح الفساد وتوالي الأزمات السياسية، في سياق تحولات استراتيجية استثنائية رافقها تقوية النظم الاستبدادية المستندة على الحزب الواحد.

وذكر بن عيسى أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وجائحة كورونا كلها عوامل مؤثرة في تطور المجتمعات في وقت يتزايد فيه القلق الجماعي بشأن مستقبل البشرية جمعاء.

وهبي يتحدث عن وسائل التواصل والديمقراطية الانسيابية

من جانبه، أوضح عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن وسائل التواصل الاجتماعي تعد فاعلا أساسيا في التأثير على مسار القرار السياسي، بخلق ديمقراطية انسيابية.

وتساءل وهبي:”كيف نحافظ على مؤسسات غير متقلبة ونضمن تمثيلية كاملة للنواب تجاه الناخبين، علما أن الديمقراطية مهددة بالانطباع الذي يعيشه الفاعلون الاجتماعيون وكيف يمكن للمؤسسات السياسية تحقيق الاستقرار والاندماج في المجتمع الحداثي الذي أصبح مهددا؟”.

شكوك كثيرة

وزاد مبينا:”في هذا الإطار، تتراجع مقاربة الأطر وفعالية النضال الديمقراطي وتعلو شكوك كثيرة سواء داخل الديمقراطية في الغرب أو العالم بشكل أشمل، بوجود تنام مهول للامساواة وانتشار المكننة القوية التي ساهمت في الرفع من وضعية هشاشة وفقر الأفراد والمجتمعات التي أصبحت تضم سوى الأغنياء جدا”.

وأفاد وهبي أن الاستجابة للمقتضيات الاقتصادية للعولمة دون النظر للخصوصية التاريخية وكذا دون اعتبار للتحولات الثقافية تجعل الديمقراطية غير قادرة على استقطاب المواطنين، مستدلا بالنموذج الصيني الذي سجل تقدما ملموسا بالحفاظ على نظامه السياسي وجعل جل القطاعات المنتجة مدخلا للتنمية.

أزمة الديمقراطية الانتخابية

واعتبر وزير العدل أن الديمقراطية الانتخابية تعيش أزمة على خلفية أزمة أخرى مماثلة اقتصاديا واجتماعيا بانتشار الفقر والهشاشة وتنامي تهديدات القوى الشعبوية وانخفاض منسوب الوطنية والتشكيك في أهمية المؤسسات الدستورية.

وقال وهبي:”صار من الصعب الحديث عن تطور ديمقراطي، فالمطالب المسجلة اليوم هي مطالب أفراد أكثر من كونها لمواطنين، بالإضافة إلى أن الخطاب السياسي يريد تدمير الاقتصاد أمام عولمة لا يتحكم فيها، الشباب والمثقفون أداروا ظهورهم للسياسة، مما أفرز هوة سحيقة بين الدولة والأفراد، تستغلها المقاولات مما جعل مفكرين يتحدثون عن مفهوم الجهة عوض المجتمع، ناهيك من انعدام التواصل السياسي والتمثيلية بفعل الهيمنة الإيديولوجية المحافظة”.

قوى اجتماعية ورأي عام نقدي ومتسامح

وأشار المسؤول الحكومي إلى ضرورة التوفر على قوى اجتماعية ورأي عام نقدي ومتسامح تقبل وتسمح به الدولة لفسح مجال أكبر من التعبير، معتبرا أن هذه القوى تعيش بصعوبة، ذلك أن النقابات تحولت إلى فاعل داخل المنظومة السياسية باسم شعارات وأصبحت عاجزة عن تمثيل التقني والمهندس والموظف الإداري ورجل التعليم.

وأوضح وهبي أن كل وسائل التعبير تتطلب استثمارات كبيرة مما جعل الفضاء العام يحتكر من قبل أصحاب الأموال والنفوذ، بوجود مجتمع جماهيري مهمل للقضايا الاجتماعية ذات المصالح والرهانات حيث أصبح يرتكز فقط على قضايا المرأة والطفل والحقوق، مسجلا تراجع السيادة الوطنية للدول أمام العولمة وعجز المؤسسات السياسية.

ودعا وهبي إلى ضرورة ضخ دماء جديدة في المؤسسات وفتح آفاق جديدة أمامها وتحريرها من هيمنة المال مع الاحتفاظ بمسافة من الأمل لتشكيل ثقافة حقيقية وديمقراطية انتخابية منسجمة.

من جانبه، أفاد لويس أمادو، وزير الدولة، وزير الخارجية في البرتغال، بأهمية التطرق لموضوع الديمقراطية، الذي يمثل موضوعا راهنا وآنيا، في ظل ما تشهده من أزمة، تلقي بظلالها على مجالات أخرى تشمل القطاع المالي والسوسيو اقتصادي والسياسي مما يفرض التحكم في الدينامية الخاصة بالأحداث الاقتصادية والاجتماعية العامة على الصعيد العالمي.

واعتبر أمادو أن أزمة السياسة في علاقتها بالديمقراطية لا تقتصر فقط على البلدان الإفريقية، بل تشمل العديد من الدول بما فيها تلك الموجودة في قارتي أوروبا وآسيا، لافتا إلى وجوب تناول الأنظمة الإعلامية لهذه القضايا الشائكة وكذا مواكبة الدينامية المتسارعة للأحداث.

تساؤلات حول مخلفات الوباء

وقال أمادو:”هناك تساؤل ينبغي طرحه حول مخلفات أزمة الوباء، والذي لا يمثل أزمة للصحة لوحدها، ولكن أيضا للأمن والسلم الاجتماعيين، مقاربة الآخر والخوف من الآخر، في إشارة إلى التباعد الجسدي الذي لم يكن قبل الجائحة، فالوباء منحنا رؤية واضحة حول ما حصل في العالم من تحولات لها اتجاهات خلال سنتين من الجائحة”.

وأكد أمادو على دور الدول المهم في الأنظمة السياسية والعمل أيضا على بت الشعور بالأمن لدى الناس.

وقال الوزير البرتغالي:”لمقاربة الديمقراطية لابد من التفكير في نموذج جديد، علما أننا نتجه نحو عهد جديد تتسارع خطواته ويحمل الكثير من العنف والحروب غير الشرعية، الأزمة مفروضة حاليا على الإنسانية، وعلينا إحداث تغيير جذري في السياسات المعمول بها وخلق التوازن على مستوى الثروات حول العالم”.

دور الانترنت في زرع الثقة

وأفاد أمادو بدور الانترنت في زرع الثقة وتجاوز أزمة التمثيلية الديمقراطية من خلال إتاحة الفرصة أمام الأفراد للتعبير وتقاسم الرؤى والأفكار والتوجهات المختلفة.

من جانبه، قال ميغيل أنخيل موراتينوس، الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، ووزير الخارجية والتعاون الإسباني السابق،:”مررنا من أوقات عصيبة ومؤلمة بسبب الوباء لكن الحضور لتجمع مماثل كهذا يعطينا الأمل في إشراق مستقبل قريب، وهنا لا يفوتني أن أسجل اشتياقي لمدينة أصيلة التي أحرص على حضور موسمها الدولي منذ 17 سنة، ولقاء شخصيات تعبر عن آرائها بطريقة مستقلة”.

وسجل موراتينوس حدوث تغيرات جذرية في العالم في ظل تحولات متسارعة، أبرزها كوفيد 19، الذي غير النظام السياسي العالمي والاجتماعي والاقتصادي وجعل البشرية في عالم آخر وأجبرها على تغيير طريقة التعامل.

العالم يشهد نموذجا سلطويا بامتياز

ولفت موراتينوس إلى أن العالم يشهد نموذجا سلطويا بامتياز، وهو ما دفع عددا من المواطنين حول العالم للتعبير عن رفضهم من سياسات حكومات بلدانهم، وحملها على التعبئة من خلال تغيير توجهاتها، في إشارة إلى مظاهرات ومسيرات احتجاجية السبت المقبل لدق ناقوس الخطر حول التغير المناخي والمطالبة بإنقاذ كوكب الأرض.

وقال موراتينوس الذي كان وزيرا لخارجية إسبانيا:”الناس عادة ما يربطون الديمقراطية بالانتخابات، بمنح ثقتهم لأشخاص ثم العودة لاحقا للتصويت، وإبداء سخطهم لاحقا على السياسات والقرارات المنتهجة من طرف هؤلاء “السياسيين الحمقى”، داعيا إلى إعمال مبدإ المقاربة التشاركية عن طريق المساهمة في التغيير عوض الاكتفاء بالذهاب لصناديق الاقتراع كل 4 سنوات.

وطالب موراتينوس بالدفاع عن الديمقراطية، مستدلا بنموذج الربيع العربي الذي بدد الأنظمة السلطوية وأسقطها ثم أقر تنظيم الانتخابات، ليتضح للمواطنين أنهم يعودون للوراء، ثم التعبير عن عدم اقتناعهم بالتغيرات الحاصلة.

في غضون ذلك، دعا موراتينوس إلى المشاركة بشكل فعال في النظام الديمقراطي مع السماح للمواطنين بالشعور بالحرية والتغاضي عن دور المراقب الذي يعد مسألة خطيرة للغاية.

من جهته، قال نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية:” يجب أن تكون لنا الشجاعة للتعبير عن مخاوفنا والتحرك للوقاية من أضرار التغيرات المناخية، خاصة اننا نساهم في هذا الأمر باستغلال ثروات الأرض والإضرار بها بشكل مباشر”.

وطالب بنعبد الله باعتماد الحكومات لمبالغ مالية في إطار برامج ناجعة لمحاربة البطالة وتحسين المقاولات، مع إعادة بناء توجهها لإرساء قواعد عالم جديد برؤية جديدة.

وأقر القيادي الحزبي بوجود أزمة حقيقية تشمل السياسة والديمقراطية التمثيلية، تدفع السياسيين للبحث عن سبل مختلفة للتواصل وإقناع الناس بإحداث التغيير المنشود، والتي يجري التعامل معها بأشكال مختلفة وتمظهرات عديدة في سياق عالم الانترنت والمواقع التواصلية، التي منحت للناس الفرصة للتكلم والتعبير من خلال تبادل الآراء وإنشاء مجموعات.

وقال بنعبد الله:”هذا النوع من التمثيلية مهم ولكن لا يمكن الاستمرار بها على هذا الحال لأنها في خطر على المستوى العالمي لكونها مهددة من طرف رؤى وأفكار وإيديولوجيات متطرفة تستخدمها بتأثير سلبي”.

واعتبر بنعبد الله أن التعبير الديمقراطي وبناء نظام سياسي سليم ومتكامل يمكن من بلورة وتطوير ومراجعة عدد من التوجهات ورؤية الحياة من منظور ديمقراطي أكثر إيجابية إيجابي، عوض التعبير بشكل سيء في بعض الأحيان باستخدام كلمات وعبارات مهينة، وهو أمر خطير يؤدي إلى العنصرية والكراهية.

بدوره، قال مصطفى حجازي، مختص في الاستراتيجية السياسية، ومستشار سياسي لدى الرئاسة المصرية سابقا، إن هناك أزمة فعلية للديمقراطية، أذكاها اختلاف الإنسان والمجتمع والتغيرات المناخية التي تمثل أنينا للطبيعة واعتراض الثورة على الشعوب التي ظلمتها، مما سيؤدي لا محالة لانفجار هذه المجتمعات.

وزاد مبينا:”الديمقراطية اليوم يمكن وصفها ب”الصنوقراطية”، فكرة أننا اختزلناها في الصناديق، وأن أسعد الناس فيها فقط هم طغاة العالم، ليطرح السؤال:”كيف يمكن إيجاد بيئة حرة مناخها الحرية؟”.

حجازي يحذر من التحولات المناخية

وحذر حجازي من التحولات المناخية على عدد من المناطق حول العالم، أبرزها اختفاء مدن شنغهاي واسكندرية وميامي إذا بقي تجاهل العالم لقضايا المناخ مستمرا ومتواصلا.

وقال حجازي:”البشر يعاني من الاستغلال والصراع السياسي الذي بدأ بشكل بشري بين الأفراد ليتطور إلى فكرة الهيمنة، والأسوأ من ذلك أن يتم إهماله وركنه إلى الجانب وبالتالي فهو مطالب بإنتاج نفسه كإنسان ليبقى حيا في سوق العرض، ليتغير النسق المعرفي بشريا عن طريق فهم البشر للحرية والعدل والكرامة، ففي بداية العقد 3 من القرن 21 كنا بصدد إنسانية يعاد تعريفها بالمعنى البيولوجي”.

واعتبر حجازي أن حل مشكلة الوباء يكمن في إحداث عدل تعليمي وصحي، مع الحديث عن الديمقراطية إذا تركت الشعوب لمصائرها.

إعمال مقاربة فعالة لحل مشكل الديمقراطية

من جهته، لفت ادريس الكراوي، رئيس الجامعة المفتوحة للداخلة، إلى ضرورة إعمال مقاربة فعالة وناجعة لحل مشكل الديمقراطية في العالم، والتي تبدو في خطر وتواجهها تهديدات جديدة من نوعها تضعها في إطار أزمة عميقة.

وحول العوامل المسببة لهذا التهديد، أشار الكراوي إلى التحالف بين العالم السياسي وعالم الأعمال، وكذا الأزمة الحاصلة بين المواطنين والنخب السياسية ثم التأثير على صنع القرار وفقدان ثقة المواطنين في المؤسسات وصعود اليمين المتطرف، مما يؤشر على حاجة المواطنين لمدن فاضلة وأحلام جديدة وبناء نموذج جديد للتنمية.

واعتبر الكراوي أن الديمقراطية تراث عالمي، مضيفا:” كل الأمم لها حضارة تفرض الانغماس بها لإيجاد الموارد التي تساهم في تطعيمها وتوفير قيمة مضافة لها”.

التوفيق بين سؤال الدين والديمقراطية والحداثة

وأثنى الكراوي على النموذج المغربي الذي أفلح في التوفيق بين سؤال الدين والديمقراطية والحداثة، كبلد عربي إسلامي إفريقي متفرد، استطاع تحقيق معادلة ذكية بالجمع بين هذه المجالات الحيوية الثلاث.

وقال الكراوي:”العالم بحاجة ماسة لثقافة سياسية جديدة تنتشر في المدارس والأحزاب وكل المؤسسات التي تنظم المجتمع لإنتاج جيل جديد ملتزم بقضايا الليبرالية الديمقراطية، والالتفاف حول حلم مشترك، المواطنة هي كرامة الإنسان وهي أيضا قدرته في الحصول على حقه المكفول في الشغل والتدريس والصحة وغيرها من الحقوق والمساهمة في تطوير مجتمعه أيضا، بمشاركة مختلف الفئات المجتمعية كفاعل في الديمقراطية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى