دعوات لنبذ الشعبوية والإيمان بالمصير المشترك في منتدى أصيلة

أوجار: المنطقة العربية عصية على الانتقال الديمقراطي

أجمع مسؤولون وسياسيون وخبراء مغاربة وأجانب على ضرورة محاربة الشعبوية لما تشكله من تهديد وخطر محدق على الديمقراطية ليس فقط في المنطقة العربية بل في مختلف دول العالم، مع الإيمان بالمصير المشترك الذي يجمع البشرية جمعاء.

الديمقراطية عملية متأنية

وكشف لحسن حداد، عضو مجلس المستشارين ووزير السياحة السابق، في الجلسة الصباحية الثانية لندوة”أي مستقبل للديمقراطية الانتخابية”، الخميس، عن قرب إصدار كتاب له سيصدر من المركز الثقافي للكتاب حول صعود الشعبوية والخطر على الديمقراطية، معتبرا أنها تمثل مزاجا جماعيا يقوده من يستغلون فئات عريضة من المجتمعات للدفع بحلول غير واقعية وبالتالي خلق الإحباط واليأس، خاصة أنها لا تهم دولة دون غيرها أو تقتصر على دول الشمال دون الجنوب، حيث أنها صارت موضة للتواصل والتحاور ترمي إلى تحقيق مآرب سياسية وإعلانية آنية.

وأوضح حداد أن الشعبوية تهم اتخاذ القرارات بشكل هجومي وشيطنة الأشخاص، فضلا عن كونها لا تخدم الديمقراطية بل تولد اليأس بدل الإيمان بالمصير المشترك.

وقال حداد:” ملايين الأشخاص في المغرب ودول أخرى يدونون عبر “فيسبوك” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي وينتفضون ضد ما يسمونه غول الفساد والريع والرواتب السمينة دون التأكد والتفريق بين المفسد وغيره والوصول لحقائق ودلائل دامغة، هي شبه حركة أفرزتها العولمة والرقمنة وانهيار النماذج الاقتصادية المعتمدة منذ عقود وكذا حركات الهجرة واللجوء”.

وأضاف حداد:”هي حركات شمولية واستبدادية كالفاشية والنازية مع الفرق في النسق والتعقيب الإيديولوجي، ليست نظاما متكاملا إنها حساسية وثقافة هجينة تختلط فيها القومجية وجلد الذات بشكل جماعي، هي كذلك تعبير عن قلق اجتماعي غير عقلاني تتحكم فيه العاطفة ومقاربة مؤامراتية للواقع، يعتبر من خلاله الفرد نفسه ضحية ناس يحملون أفكارا تحطيمية تضر بأسس الديمقراطية ومجتمعات النقاش والاختلاف في العمق”.

وذكر الوزير السابق أن الديمقراطية عملية متأنية تتطلب الوقت والنقاش والصبر للوصول لرأي تأخذ به الأغلبية، في سياق مسلسل يتبني الحلول المعقدة.

وقال حداد:”في المغرب مثلا نتفنن في وصف الوقت الذي يمر في إطار التخطيط بهدر الزمن الحكومي في محاولة للالتفاف عليه، وهنا أشير لامتلاء”فيسبوك” بوصفات سحرية لإسكات الحكومات وإعطاء الكلمة للشعب، من قبيل إلغاء تقاعد البرلمانين وبناء المستشفيات، لتأتي الحلول المسرحية معززة بأرقام بهدف تغذية غضب جماعي عارم تنخرط فيه أطر عديدة لترجمة قلق شرائح عريضة من الطبقة الوسطى، هي وصفات تقدم حلولا سهلة واضحة للعيان، وكأن المجتمعات صارت مسرحية ميلودرامية أبطالها الشعب المسكين المغلوب على أمره والفقراء المفرغة جيوبهم بوجود نخبة متآمرة على الشعب والوطن”.

بلورة رد فكري وتحليلي

واعتبر عضو مجلس المستشارين أنه ليست هناك مقاربة سهلة للتعامل مع هذه النزعة، مما يفرض بالمقابل على المثقفين والساسة والإعلام بلورة رد فكري وتحليلي على هذا الخطاب يتوخي مقاربة الظاهرة بمقاربة تاريخية تحاول فهم الظاهرة داخل النسق الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى المرور لنقد طويل للنموذج الاقتصادي الحالي وإعادة النظر في العولمة التي خلفت تفاوتات مهمة واعتماد بناء القيم على أسس أكثر متانة وتعقيدا.

ودعا حداد الدول الغربية لإعادة النظر في المنظومة الاقتصادية التي فرضها على العالم والجنوب بنقد ذاتي حول سياساتها، بحيث لا يمكن لأي نموذج اقتصادي أن يفلح دون إمكانية تأقلمه ومقاومة تأثيرات التغيرات المناخية على الحياة والاستقرار السلمي للشعوب.

من جهته، أفاد إجناسيو وولكر، وزير العلاقات الخارجية سابقا في الشيلي، أن الشعبوية صارت شبه إيديولوجية تحكم سياسات الشأن العام حول العالم في عدد من الدول حول العالم، والتي تتزامن مع تنامي التأثيرات السلبية للعولمة علما أنها بدورها لم تعد تقتصر على منطقة دون سواها.

وأشار وولكر إلى الإشاعات والأخبار الزائفة التي لم يسلم من ترديدها حتى زعماء الدول العظمى، في إشارة إلى الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، والذي صدرت عنه اكثر من 10 آلاف كذبة في نصف ولايته الرئاسية.

الديمقراطية التمثيلية تعاني من عطب

وقال عبد الله ساعف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس ومدير مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، ووزير سابق، إن الديمقراطية التمثيلية مفهوم قديم عرف بأشكال عديدة وتمت مقاربته من طرف مفكرين وفلاسفة وفق السياق الذي يفرضه في كل مرحلة زمنية جرى تناوله خلالها.

ووصف ساعف الديمقراطية بالمشروع التاريخي المتسم بالتعقيد من حيث تناوله خاصة بعد أحداث الربيع العربي، متسائلا حول تأثير هذه الحركات الاحتجاجية على الانتقال الديمقراطي ليس فقط من الناحية السياسية ولكن على صعيد المجالات الاجتماعية.

واعتبر ساعف أن ما يهدد الأنظمة حاليا هو الضعف الذي تعاني منه، في ظل عدم قدرتها على إحداث تحول جذري، وفي نفس الوقت استمرارها ومقاومتها للعواصف التي تعترضها، مما يطرح أكثر من تساؤل حول هذه الجدلية.

وأشار ساعف إلى أن الديمقراطية التمثيلية حول العالم تعاني من حالة عطب وشرخ دون الحديث عن السياسات الاقتصادية الغير متوزانة والانحدارات الاجتماعية، داعيا وسائل الإعلام والفاعلين المعنيين لممارسة تأثير إيجابي وبناء، في ظل ما يسجله العالم من فقدان الثقة في المكونات السياسية.

من جانبه، أشار نبيل بنعبد الله ،الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق، إلى ما تعيشه الديمقراطية من إكراهات وتعثرات على مستويات مختلفة عالميا.

وقال بنعبد الله:”نحن نعيش في منطقة تشهد تطورات متسارعة في قلب البناء الديمقراطي، نظرا لقربنا من أوروبا كما أننا غير بعيدين عن انعكاسات الربيع العربي رغم التحفظ على هذا المسمى وهل فعلا يتعلق الأمر بربيع عربي كما يروج”.

قطيعة بين النظام والنخبة في تونس

وأفاد خميس الجهيناوي، مؤسس ورئيس المجلس التونسي للعلاقات الدولية ووزير الخارجية سابقا، بتأثير الوباء على الامتحان الديمقراطي في الدول العربية، والذي جعلها تعيش في جو محتقن بشكل متواصل، خاصة أن إمكانية استمراره عبر الزمن لفترة أطول مسألة واردة الحدوث، تتطلب العمل وفق مقاربة تشاركية مندمجة لمواجهته بانخراط كل مكونات الدولة من مؤسسات وأحزاب وشباب وفاعلين لتأطير المواطنين.

ولفت الجهيناوي إلى أن الديمقراطية تعيش أزمة تمظهرات، عن طريق حدوث طلاق بين الحرية والنظام الحاكم مثلا، في إشارة إلى التجربة التونسية، وانتفاض المواطنين للمطالبة بالحرية والكرامة، مما نتج عنه حرية مؤطرة من طرف السلطات، في سياق مسلسل ديمقراطي لم يتلاءم مع المطالب المقدمة، ليجد الناس أنفسهم مضطرين مرة أخرى للاحتجاج دون اعتماد مقاربة ناجعة لمواجهة التحديات والإشكالات المطروحة، علما أنهم يقومون بإبعاد أنفسهم عن المشاركة السياسية للتعبير عن رؤيتهم بشأن تونس الغد والمستقبل.

وقال الجهيناوي إن هذا الأمر خلف قطيعة بين النظام وهذه النخبة التي تحتل الفضاء العام، مما تطلب خلق صلة وصل للتعبير وليس فقط الاحتكام للنخبة السياسية والاقتصادية في البلاد.

وزاد الجهيناوي مبينا:”هي قطيعة ممتزجة بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية لأشخاص لم يجدوا فرصتهم في العمل والعيش بكرامة، وهو أمر لا يقتصر فقط على تونس ولكن يهم دولا أخرى تشمل أيضا دولا غربية عملت على تركيز الثروات في اتجاه واحد”.

وقال مؤسس ورئيس المجلس التونسي للعلاقات الدولية:”الديمقراطية تظل النظام الوحيد الذي بإمكانه تمثيل الشعوب، وبالتالي وجب إعادة اختراعها من جديد، والتركيز على ميكانيزماتها ووسائلها، فلا ديمقراطية بدون أحزاب سياسية موحدة ومعبئة لإيجاد حلول للمجتمع بهوية واضحة تسمح للمتتبع بالمشاركة والثقة”.

على صعيد ذي صلة، أشار الوزير التونسي السابق إلى دور الدبلوماسيين أيضا في تعزيز الديمقراطية، في ارتباط وثيق بين الدول التي تعاني من قضايا مشتركة وتحديات مرتبطة أساسا بالهجرة والتطرف والمناخ والبيئة، وغيرها من القضايا المشتركة التي تحتاج لمقاربة موحدة ومنسجمة.

وقال الجهيناوي:”كل مسلسل ديمقراطي ينبغي أن يبدأ من الداخل وليس عبر تبني نظام من الخارج، وذلك ليكون فعالا ويستجيب لانتظارات المواطنين وفق محدداته السياسية والاجتماعية التي تحدد هويته”.

واعتبر عبد الله ولد أباه، كاتب وخبير ومحلل سياسي موريتاني، أن هناك إشكاليات كبرى عانت منها الديمقراطيات الوليدة أو الجديدة أو الانتقالية في المنطقة العربية وخاصة المغرب العربي، تتمحور حول الانفصال بين الديمقراطيات كمسطرة إجرائية وبين الديمقراطية كشكل مجتمعي.

وأضاف ولد أباه:”الإشكال الثاني يشمل ضعف البنيات المؤسسية العمومية، فالديمقراطية ليست آلية انتخابية إجرائية وإنما مؤسسات تعبر عن الإرادة العمومية، ثم هناك هشاشة وضعف المجال التداولي العمومي، والذي قد يعبر عنه أيضا بالانفصال بين المجتمع والدولة. وهنا أود تقديم نموذج أطرح فيه بديلا أو ألتمس خيارا معقولا لحل أزمات الانتقال السياسي، فمن السهل أن نقول أن المنطقة العربية غير مهيئة للديمقراطية التعددية والحال أنها الخيار الوحيد في إطار تصحيح اختلالاتها التي نحاول استنباتها في منطقتنا”.

لا حل للإنسانية إلا باعتماد نموذج ديمقراطي

بدوره، أوضح محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ووزير العدل سابقا، أنه لا حل أمام الإنسانية إلا باعتماد النموذج الديمقراطي رغم مساوئه والملاحظات المطروحة حوله.

وتساءل أوجار:”هل يمكن أن تكون هناك ديمقراطية في غياب الدولة، الجواب في ليبيا وسوريا وغيرها، و هل يمكن أن لدول تسلطية أن تضمن شروط الحريات والفصل بين السلط وحقوق الإنسان والقبول الطوعي لنتائج الانتخابات؟”.

وقال أوجار:”منطقتنا العربية عصية على هذا الانتقال، فكيف نتوافق إذن على آلية ديمقراطية ونتقبل نتائجها ولدينا صعوبة قوية في هذا الأمر، لا مفر من الانفتاح عليها دون خلفيات، وهنا لا يفوتني أن أشيد بتنظيم المغرب لانتخابات جيدة في المستوى المطلوب”.

وأفاد أوجار بضرورة اعتماد ثقافة ديمقراطية تتأسس على قبول الفشل والنتائج، على الرغم من تسجيل سلوكات فاسدة داخل الأحزاب تسعى لمراكمة عدد المقاعد لأسماء فاسدة وشخصيات منحرفة لعائلات معينة، والحال أن الديمقراطية ليست لشخص محدد ولكن لعموم المواطنين، كما أنها تستوجب التنافس على برامج وأفكار وسياسات عمومية واقتراحات والتجاوب مع التطلعات والتحديات.

وقال أوجار:”لابد أن نوجه نداء إلى مصالحة نخب بلادنا مع الفعل السياسي ونعيد له إرادته في إحداث التغيير، فرغم الأعطاب وجب أن ننتصر ضد التسلط والديكتاتورية فالديمقراطية مناخ يومي للحياة لا يمكن حصرها في الانتخابات فقط، بل باحترام كرامة الناس وتوفير حقوقهم، كما أن الفاعل السياسي لا يمكنه الاستمرار بالعمل بطريقة العالم الماضي بوجود ثورة رقمية لا بد من تملكها، علينا كذلك مواجهة المد الإسلامي بوسائل ديمقراطية وليس بالعنف والسلاح، فهي مكونات مهمة في مجتمعنا لا بد أن نخاطبها بعقلانية ونقنعها بالاندماج في التغيير عن طريق الانخراط في المؤسسات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى