مشاركون في منتدى أصيلة: العالم العربي يعيش أسوأ أزماته

الحسيني: المؤسسة العسكرية الجزائرية أسقطت الاتحاد المغاربي

أجمع المشاركون في الجلسة الافتتاحية لندوة”العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟”، مساء اليوم الاثنين، المنظمة في إطار الموسم الثقافي الدولية ال42 لمدينة أصيلة، على ان العالم العربي يمر بأزمة غير مسبوقة في سياق مرحلة ظلامية تتجاوز مقومات العروبة بشكل خطير.

تحديات اقتصادية وعبث إقليمي

وسجل محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة ورئيس بلدية أصيلة ووزير خارجية المغرب الأسبق، في الجلسة الأولى بعنوان”فكرة العروبة والبناء الإقليمي العربي: التجربة والآفاق”، إصابة كيان الدول الوطنية في عدد من الأقطار العربية بشرخ واضح، مما شجع القوى الدولية والإقليمية على التدخل والتأثير في مسار القرار داخل الساحة العربية، وبالتالي تأجيج انفجار الطائفية والإثنية في عدد من الدول العربية، بما فيها تلك التي شكلت مهد العروبة والقومية العربية.

وذكر بن عيسى أن هناك محاولات لمقاربة الموضوع ظهرت منذ القرن التاسع عشر في العالم العربي، وتبلورت في ثلاث صياغات، همت صيغة حضارية تمثلت في جهود الأدباء والمفكرين مقتدين بالنهضة الأوروبية عبر استيعاب قيم الإصلاح الديني واستنباتها في العالم العربي ثم فك السياقات السياسية الحزبية انطلاقا مما عبر عنه دعاة الوحدة العربية، إلى جانب المقومات المشتركة التي يتم بناءا عليها تشييد الدولة المكرسة للأمة، فيما تضم الصيغة الثالثة البعد استراتيجي في العمل العربي المشترك، في إشارة لجامعة الدول العربية.

وخلص بن عيسى إلى التعبير عن أمله في أن تحاول هذه الندوة استشراف تصور جديد للعمل العربي المشترك، وربما طرح بديل آخر لمؤسسات عربية تتفاعل مع الواقع العربي الجديد، وتأخذ بعين الاعتبار كذلك التغيرات والمستجدات التي تعرفها المنطقة والمناطق المجاورة لها.

الحمر: التحولات لم تعد سياسية أو عسكرية بحتة

من جهته، أشار يعقوب نبيل الحمر، مستشار ملك البحرين في الشؤون الإعلامية، إلى وجود تاريخ عربي طويل من التبلور والحلم القومي، شهد ثورات وانقلابات وسقوط وقيام دول وكيانات وحروب وغزوات بين إخوة والتطلع لوطن واحد يجمع العروبة من المحيط للخليج بغض النظر عن الوسيلة والأهداف.

وقال الحمر إن التحولات في العالم اليوم لم تعد سياسية أو عسكرية بحتة، وأضاف:”شاهدنا كيف انسحبت أعتى قوة عظمى وهي أميركا من أفغانستان، وهو ما يفيد أن التحولات أصبحت تأخذ طابعا اقتصاديا وإعلاميا، كما أضفت عليها كورونا طابعا جديدا أدخل البشر في عزلة وحول تكنولوجيا التواصل إلى مشاعر آلية وضرب الاقتصادي العالمي وأوقف خيارات التنمية والتطوير ومشاريع كبرى أخرى”.

وزاد الحمر قائلا:”سوف نظل نتحمل تبعات هذا الوباء”، مشيرا إلى أن هذا التحول الأكبر “وضع العرب أمام تحديات كبيرة أبرزها اقتصادية تدفعنا أن نمعن التفكير في وضعنا الراهن، في ظل ما تشهده الساحة العربية اليوم من حروب داخلية وغزو خارجي وعبث إقليمي واعتلال متكرر، لكن هذه الصورة القاتمة يجب ألا تفقدنا الأمل، فهذه الأمة لن تموت، ففي المقابل، نسجل تحولات عربية إيجابية وانفراجا على مستويات اخرى، علما أن الإنسان العربي أصبح أكثر وعيا بالمناورات وأكثر تشبثا بعروبته”.

ودعا مستشار العاهل البحريني للشؤون الإعلامية الجامعة العربية إلى تقريب وجهات النظر بين الدول وإيجاد قواسم مشتركة، خاصة أن العالم العربي قادر على صناعة التحولات، فضلا عن كونه يشكل قوة جبارة في مواجهة القوى الأخرى.

من جانبه، أشار الكاتب والباحث العراقي المقيم في بيروت، الحسين شعبان، نائب رئيس جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان، إلى اختلاف مفهوم العروبة عن القومية، مشيرا إلى انها هوية ذات بعد حضاري وثقافي، بينما القومية شكل سياسي، وبالتالي هناك فرق بينهما، كما أنها تتعرض لانهيار وتداخلات وتأثيرات على القرار العربي، في إطار انفجار الهويات الفرعية.

وحول أنواع العروبات، قال شعبان:”هناك فرق بين العروبة الثقافية والعروبة القومية، كرابطة وجدانية إنسانية وهوية تتصل بالتاريخ والمعرفة، وحقيقة موضوعية وليست فكرة افتراضية، وهنا نسجل أيضا حدوث تفاوت بين العروبة والحداثة، التي لا تمثل مسألة نهائية إنما متحولة ومتجددة باستمرار، هناك أيضا علاقة بين العروبة والمواطنة، والمطلوب منا اليوم هو أنسنتها وتحصينها بالتنوع وقبول الآخر”.

واعتبر شعبان أن العروبة الإنسانية بعيدة عن التعصب الذي ينتج التطرف والذي يصبح عنفا إذا ما تحول لسلوك وحينما يسود يتحول إلى إرهاب ثم إرهابا دوليا، لافتا إلى أن الاعتراف بالآخر يعزز من مبادئ المساواة والاعتراف بالآخر ليس على أساس العرق والانتماء الضيق.

الجامعة العربية”فاشلة”

من جهته، انتقد الكاتب والمحلل السياسي اليمني، مصطفى نعمان، قصور الجامعة العربية وعدم قدرتها على التدخل في أي مشكلة عربية واحدة، لتعوضها نشأة مجلس التعاون مثلا نظرا لضعفها ولكونها لم تستطع القيام بالمهمة التي أنشئت من أجلها.

وزاد نعمان مبينا:”ماذا حققت الجامعة العربية في الأزمات سوى الاجتماع في مجالس اقتصادية واجتماعية، لتظل مجرد جهاز إداري يأخذ العاملون فيه مبالغ سخية، وهنا أشير لغياب دورها الواضح في الأزمة الخليجية الأخيرة، لم تقدم أي مقترح ولم تكن وسيطا ولا انخرطت في أي مصالحة، لأنه ببساطة الدول في مجلس التعاون لم تسمح لها بالتدخل”.

واعتبر نعمان أن الدول العربية غير قادرة على صياغة نموذج جديد ولا أن تفعل دور الجامعة في ظل ما تشهده من أزمات.

بدوره، قال كايد هاشم، نائب الأمين العام للشؤون الثقافية في منتدى الفكر العربي في الأردن، في كلمة ألقاها نيابة عن محمد أبو حمور، الأمين العام للمنتدى، إن هناك تطلعا إنسانيا للخروج من حلقة معاناة طويلة في العالم العربي، لما يزيد عن قرن من التحولات أنتجت تحديات وأشكال من الصدامات الإيديولوجية تأثرت بها المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، مشيرا إلى ضرورة تملك القدرة على إنتاج آليات تكفل مراجعته وفق منهجية علمية استشرافية للمستقبل وبلورة رؤى تجديدية في النظام العالمي والإقليمي، بالإضافة إلى اعتماد منظور تنموي شامل يجعل من الإنسان أساس التنمية وسياسات الإصلاح.

ودعا هاشم إلى إعادة التضامن عربيا لتحقيق التنمية المنشودة والتي تبدأ من المصالح الحقيقية والموضوعية وصولا لبناء كتلة اقتصادية تشكل وزن الصوت العربي دوليا في نظام يعتمد على تكتلات حقيقية.

تحديات كبرى

أما الكاتب والباحث الموريتاني، عبد الله ولد أباه، فتطرق للرصيد الإيجابي لفكرة العروبة، وقال إنه صان ثوابت الأمة التي كانت الوقود لحركة المقاومة ضد الاستعمار، وأدت أدوارا إيجابية شكلت الأفق الاستراتيجي لبلدان المنطقة، بوجود تحديات كبرى مطروحة على الساحة.

وأضاف ولد أباه:”كنا نعتبر الدولة الوطنية عبئا ومن دون شرعية وفي العشر سنوات الأخيرة أصبح هدفنا هو حفظ هذا الكيان وإعادة بناء دولة عربية، ثم التحديد السياسي ببناء هندسة سياسية تضمن التعددية السياسية، لمواجهة تحولات دولية كبرى تستهدفنا كعرب وقد تطرح فرصا وبدائل، تشمل المقاربة من مناطق أخرى، تضم القرن الإفريقي والبحر الأحمر ومنطقة الساحل والصحراء والمغرب العربي وشمال إفريقيا، إذ لا يمكن تصور حلول استراتيجية دون أن تشمل هذه المناطق وكذا منطقة شرق المتوسط التي تتمحور حولها أيضا تحديات اقتصادية واستراتيجية”.

إقلاع اقتصادي متعثر

من جانبه، تساءل محمد تاج الدين الحسيني، خبير سياسي مغربي وأستاذ القانون الدولي:”هل العالم العربي كان في فترة معينة يعيش فعلا في ظل نظام إقليمي عربي؟، علما أننا حينما نستعمل كلمة نظام فنحن نقصد وحدات معينة تتعايش وتتفاعل وتحدد مواقف خاصة بها في مواجهة أطراف أخرى”.

وأفاد الحسيني بوجود خمسة عناصر لإقامة نظام إقليمي حقيقي، يهم التجانس الثقافي والاجتماعي، نظرا لما يزخر به العالم العربي من غنى ثقافي وإثني وعرقي لا مثيل له، وثانيا التقارب الجغرافي واعتماد مواقف سياسية ومؤسسات مشتركة واقتصاد متبادل.

وزاد الحسيني متسائلا:”هنا نطرح السؤال منذ متى كانت لهذه البلدان مواقف مشتركة خارجيا ومن منهم يطبق المبادئ الأولية للديمقراطية؟، وأين دور العسكر هل عاد لثكناته أم يمارس السلطة؟”.

وأقر الخبير السياسي بفشل الدول العربية في إقلاع اقتصادي مما يمنعها من تناول إمكانية إقرار نظام إقليمي متوازن.

الجزائر تعطل الاتحاد المغاربي

وأدان الحسيني دور النظام العسكري في الجزائر في تعطيل دور الاتحاد المغاربي والإضرار به بشكل خطير.

وقال الحسيني:”تلك النوايا الحسنة بتطوير الاتحاد المغاربي في المغرب الكبير سرعان ما شهدت طريقها للزوال، رغم أن  وثيقة الاستراتيجية المغاربية المشتركة نصت على تأسيس منطقة تبادل حر للبلدان المغاربية وإنشاء اتحاد مغاربي يقوم على أساس إزالة الحواجز الجمركية ثم الانتقال سنة 2000 للسوق المغاربية المشتركة. كان أملنا أن يكون هذا الأمر عمليا لكن المؤسسة العسكرية الجزائرية سارعت لإسقاط هذا الشيء، وبالتالي فشل الاتحاد المغاربي”.

وسجل الحسيني وجود أخطاء قاتلة ارتكبها النظام الجزائري تقتل مشاريع الإدماج والتطور في البلاد، من ضمنها قطع أنبوب الغاز أخيرا.

وأكد الحسيني أن العالم العربي يعيش في أسوأ أزماته منذ تاريخ نشأة دوله ومنذ حصولها على استقلالها، فنصفها إما دول فاشلة أي أن الدولة المركزية لم يعد لها لزوم في حضور فوضى أو أنها دول مارقة، فيما الدول الأخرى تتأرجح بين هذا وذاك في رؤية مأساوية.

وقال الحسيني:”كيف نواجه هذا الوضع المأساوي والبدائل محدودة؟ والحال أنه علينا العودة لأنفسنا وأوطاننا، فلا إمكانية لتحقيق مستقبل أفضل دون الرجوع للمبادئ الكونية التي تأسست عليها”.

وانتقد الحسيني ما تعيشه الأحزاب السياسية من زعامات تعيش لمئات السنين دون إعطاء فرصة للشباب، فضلا عن مؤسسات اقتصادية تعاني من الفساد وأخرى فكرية تعاني من غياب الصدق والديمقراطية، وهو ما ينبغي إصلاحه من الداخل في كل بلد على حدة في أفق الحديث عن الوحدة العربية لمجابهة باقي الأمم كأمة صاعدة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى