دعوات من أصيلة لإعادة تشكيل الواقع العربي وتحقيق اندماج عالمي

هاشم: التيارات الفكرية المناوئة خذلان للإنسان العربي

تمحورت مداخلات المشاركين في الجلسة الثالثة لندوة”العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة” العروبة إلى أين؟”، مساء الثلاثاء، ضمن فعاليات الموسم الدولي لمدينة أصيلة في دورته ال42، حول ضرورة إعادة تشكيل الواقع العربي انطلاقا من الداخل لمسايرة الركب العالمي والتحولات المتسارعة التي يشهدها، لبت الأمل من جديد في نفوس مواطنيه، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة والاقتداء بها.

فجوة معرفية واندماج واجب

وقال مبارك ربيع، كاتب وأديب مغربي،:”حينما نقول النظام العربي يتبادر إلى الذهن نمط الحكم والذي يمثل نظاما سياسيا اقتصاديا ومنظومة مؤسسات، فالأسئلة التي تطرح سياسيا تطرح أيضا على المنظومات الأخرى، وحينما نتحدث عن المسارات الممكنة يجب أن نستحضر الفجوة المعرفية التي تفصلنا عن عصرنا، وهنا يطرح السؤال التالي: هل يمكن للنظام العربي أن يحقق لنفسه مكانة واتجاها في إطار التحولات الإقليمية والبيئية والتقدم التكنولوجي المعرفي الهائل؟”

واعتبر ربيع أن ظاهرة الربيع العربي فريدة من نوعها لكونها ترجمت إرادة التحول بطريق سلمي جماهيري، إلا أن النظام العربي تعامل معه كأزمة يجب تدبيرها وليس كموعد تاريخي وجب اقتناصه.

وأفاد ربيع بضرورة الاندماج كعرب في العالم بما فيه من معرفة واتجاهات سياسية ليكونوا عروبتهم ولكن ليس بالانعزال فلا وجود لعروبة خالصة وصافية.

وأكد ربيع أن تردي النظام العربي تحصيل حاصل من معادلة الضعف والإمكانات الكبيرة المتاحة، على الرغم من أن الشريان الذي يربط العالم يقع في قلب العروبة وهو كاف لتكون هذه المنطقة مستهدفة لكل أصناف الهيمنة، وهو ما حصل طوال تاريخها.

محاولات هدم وإلغاء

من جهته، أوضح كايد هاشم، نائب الأمين العام للشؤون الثقافية في منتدى الفكر العربي في الأردن، أن هناك تحولات تؤثر على العرب.

وقال هاشم:”فسؤال العروبة إلى أين يتوقف على مفهوم العرب أنفسهم ومن ينتمون للثقافة العربية كتاريخ ومشتركات تاريخية وكجوهر إنساني لملايين من البشر لها امتداداتها في الزمان والمكان، وهو ما يحمل في طياته ملمح الاستمرارية والتمسك بالهوية بعد كل ما تعرض له مفهوم العروبة من تشكيك ومحاولات هدم وإلغاء على مستوى المهيمن والاستعماري والاستشراق بمراحله.

وذكر هاشم أن التيارات الفكرية المناوئة في الداخل العربي واعتبار العروبة منتهية إثر أحداث وهزات كانت تشكل خذلانا للإنسان عربيا على الصعيد القومي، وإن كان الشعور ما يزال حيا ويعطي مؤشرات واضحة على صعيد الوعي التاريخي لدى النخب المثقفة التي تتمسك بهذا المفهوم.

وأضاف هاشم:”في الوقت الذي تصاعدت فيه أصوات تفيد بانهيار العروبة، كان العالم يتطور من جديد نحو التجمعات القومية سواء الغرب الأوروبي أو الشرق الآسيوي، وكذا الاعتراف بالتنوع الثقافي، حيث بدأت تتبلور مشاريع دولية وإقليمية لها محددات سياسية واقتصادية وفلسفات للقوة تشرعن دورها من وجهة نظر صانعيها وغايات ترتبط بالمصالح”.

وسجل هاشم حلول التعاون الاستراتيجي على النطاق الدولي محل الصدام في ظل التنافس القائم بين أميركا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي ولاسيما في مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن الدولي، يضاف لذلك صعود قوى جديدة كالهند والبرازيل.

وأشار نائب الأمين العام للشؤون الثقافية في منتدى الفكر العربي إلى أن القوى الغربية تنظر للعرب على اعتبارات التقسيم والتعامل المنفرد بمعنى رفض الإقرار أن المنطقة العربية تنتمي لوحدة حضارية ممتدة بأبعادها اللغوية والتاريخية والجغرافية والديمغرافية، مضيفا:”وهي إشارات تطرح السؤال التالي: هل نحن بحاجة للتجديد الثقافي الذي لا يقع في شرك التقليد، خاصة أن المشكلات التي نشأت عن ضعف الانتماء واضطراب الهوية مازالت تعمق التبعية والتخلف مما يجعل صورة المستقبل ضبابية وفقدان التواصل بين مكونات الشخصية الحضارية وقصور الإعلان عن تقديم خطاب متفاعل مع المجتمعات وقضاياها”.

ودعا هاشم إلى بلورة الرؤى ودراسة آليات مواجهة التحديات القائمة وتكون تصورات نابعة من داخل الواقع العربي وليست مستوردة من الخارج، مع الاستفادة من هياكل خارجية للتعرف على أسباب النجاح ومحاذير الفشل التي ينبغي تجنبها.

العروبة ليست أحلاما وردية

بدوره، قال إياد أبو شقرا، كاتب صحفي لبناني ومحلل سياسي وباحث في التاريخ،:” بصراحة وألم علينا الإقرار بأنه ما عاد لدينا ما يمكن وصفه بنظام عربي، بوجود مغامرين يثيرون أزمات حدود ونزاعات مطامع مع الأهل والجيران أمام أطماع القوى الإقليمية غير العربية التي تجرأت علينا وقادتها حد التباهي باحتلال عواصمنا، وكمثال على ذلك استعادة إيران العودة لشرق المتوسط لأول مرة منذ العصر الإخميني، وظهور تركيا بحجة أن معظم أقطارها كانت تحت خيمتها، واسرائيل التي يشجعها العجز العربي المزري على تقديم نفسها وسيطا للعرب، كنا سنرى كذلك جرحا خطيرا آخر ستفتحته اثيوبيا لولا انشغالها بحربها الداخلية”.

وزاد أبو شقرا متسائلا:”ضعفنا الداخلي وهشاشة الشرعية السياسية والحكم الرشيد وانعدام وانهيار دولة المؤسسات في معظم دولنا لن تقضي فقط على قدرتنا على تسوية نزاعاتنا بل أسقطتنا من حسابات المجتمع الدولي، مما يشعرنا أن خياراتنا باتت محدودة جدا، أما من نهاية لهذا الانهيار؟”.

واعتبر أبو شقرا أن العروبة ليست أحلاما وردية وحالة موسمية تعطيها اليوم لونا إسلاميا وغدا ثوريا صارخا بل هي رؤية يعتقد فيها العربي أنه إنسان حر في دولة قانون ومؤسسات، بتداول السلطة بصورة سلمية ومنتظمة وضمان الحقوق الكاملة.

وسجل أبو شقرا أن مواصلة الهروب للأمام لن تعطي النتيجة المتوخاة كما أن حصر خيارات العرب السياسية بين رفض المساءلة والحكم العسكري أو الديني بغياب بديل ثالث يمثل حالة كارثية، لافتا إلى أن العروبة هي أفضل ما لدى العرب وبالتالي فهي تستحق الإنقاذ.

من جانبه، قال رشيد الخيون، باحث وكاتب صحفي عراقي، مهتم بقضايا الفكر العربي القديم، بعدم إمكانية تحويل العروبة لسلطة وإيديولوجيا شاملة لأنها ستنتهي تلقائيا.

وزاد الخيون مبينا:”لدينا في العراق مثلا 7 مليون كردي، حينما أريد بناء دولة عربية وقومية عربية ماذا أقول مثلا لهؤلاء الأكراد؟ وأي دين أو قومية أو فكرة ستستوعب هذا الأمر؟”.

وذكر الخيون أن الإسلام السياسي تمثل بالصحوة منذ سبعينات القرن الماضي كعابر للجغرافيا والوطنية، وليس له علاقة بالقومية العربية، فهو عابر للحدود، ويمثل ذروة التقدم الاجتماعي والاقتصادي، أما الوطنية فهي عابرة للهويات.

وأفاد الخيون بوجود قلق وخوف غير مبرر على العروبة والهوية، لافتا إلى أن العالم الآن صار عبارة عن قرية، وبالتالي فلا مجال للاستمرار في البكائيات التي تغيب لدى الأمم الأخرى وتحضر لدى العرب، على اعتبار أن الزمن هو الكفيل بتدبير نزاع وصراعات في عالم أضحى واحدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى