“خيمة الإبداع” في أصيلة تحتفي بمسار الصحفي محمد البريني

مؤسس"الأحداث المغربية": تكريمي هنا أروع ما يمكن أن أحلم به

بحضور عدد من الشخصيات الفكرية والإعلامية والأدبية، كرمت “خيمة الإبداع” بأصيلة، الصحافي، محمد البريني، مؤسس جريدة “الأحداث المغربية”، وذلك اعترافا بما قدمه للصحافة الوطنية على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمن.

نضال سياسي وصحفي

وقال محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، إن اختيار البريني ليكون الضيف الرئيس على خيمة الإبداع أملته اعتبارات موضوعية، تتعدى الشخص الذي يستحق وحده التنويه بشمائله وصفاته الإنسانية، ليشمل التكريم أسرة ورموز الصحافة في البلاد، باعتبارها ركيزة للنهضة المجتمعية، فلا يمكن تصور بناء دولة ديمقراطية بدون صحافة متطورة شكلا ومحتوى.

وأشار بن عيسى إلى تغير مفهوم الرأي العام في الزمن، حيث لم يعد مجرد مستقبل سلبي للخطاب الإعلامي، بل أصبح متفاعلا مع المضمون، بالنقد والتثمين والتصحيح والتجريح، ما يجعل مهمة القيادات الصحفية صعبة محفوفة بالمزالق، لا سيما إن كانت جل المؤسسات الصحفية تدافع عن إيديولوجية حزبية، مثلما ساد في الزمن الحالي، والذي تحولت معه الصحافة إلى سوق للمزايدات والتعليلات العابرة.

وسجل بن عيسى أن انتقال محمد البريني من التدريس إلى قاعة التحرير لم يكن تحولا استثنائيا، بعد أن تطور وعيه وتعزز قناعته بأهمية النضال السياسي في حزب راهن على تعبئة الجماهير وتوعيتها في أفق منظور تقدمي للمجتمع، في ظروف لم تكن سهلة بالمرة.

وأوضح بن عيسى أن البريني لم ينحرف عن النهج القويم، فلم تمثل الصحافة بالنسبة إليه في كل المحطات التي عبرها الوجاهة والشهرة، أو استعمالها وسيلة لامتلاك سلطة أو نفوذ.

وقال بن عيسى:”تجربة محمد البريني منفردة في سجل وتاريخ الصحافة المغربية، يستوقفنا فيها اعتماده على إمكانياته الذاتية، مستفيدا من نجاحات وإخفاقات الذين ساروا قبله في درب الصحافة الحزبية، وحيث تتعارض المواقف والانضباط الحزبي مع الضمير المهني، حيث يجد الصحفي نفسه حائرا بين إرضاء القارئ والحقيقة أو الدفاع بل التستر على موقف المؤسسة الحزبية. وأستطيع القول إن البريني قام بالدور المسنود إليه، وافق بين إكراهات الحزب ومقتضيات مهنة الصحفي، حقق الرواج التجاري لمطبوعة الحزب متجاوبا إلى حد كبير مع انتظارات القارئ، وحينما أحس بأن الهامش قد ضاق، سلم المفاتيح، بطيب خاطر، دون افتعال منازعة على أصل تجاري، كما لم يتنكر لقناعات ظلت ملازمة له، هو مثال فريد في الصحافة المغربية، يستحق تكريمنا وتحيتنا”.

محطات مفصلية

وأفاد الصحافي المغربي، جمال المحافظ، منسق فعالية”خيمة الإبداع”، أن المحتفى به راهن على الصحافة باعتبارها رافعة لتحقيق التغيير وبناء المغرب الجديد المبني على الديمقراطية والعدالة والاجتماعية وحقوق الإنسان، فضلا عن حضوره في المحطات المفصلية للصحافة في البلاد مما يجعل من الصعوبة بما كان التوقف عند مختلف مساراته.

وقدم المحافظ نبذة عن تجربة المحتفى به الذي آثر دوما العمل في الخفاء والابتعاد عن الأضواء رغم تجربته الطويلة في الميدان، معتبرا أن هذه المناسبة تشكل اعترافا بدوره الطلائعي في المجال الصحفي ومناسبة للتداول في قضايا المهنة وآفاقها والتحديات التي تواجهها وسائل الإعلام في ظل المتغيرات التكنولوجية ومتطلبات القرن 21.

وقال المحافظ:”البريني رأى النور سنة 1943 بزاكورة، عمل أستاذا للأدب الفرنسي قبل أن يخوض غمار الصحافة والإعلام حيث التحق سنة 1974 بصحيفة “المحرر” التي كانت تعاني كما شأن صحف المعارضة من قيود المراقبة القبلية، خاض غمار القصة القصيرة باللغة الفرنسية، والتي شكلت محاولاته الأولى للكتابة في الصحافة، كانت أهم محطة في مساره تعيينه مديرا لجريدة الاتحاد الاشتراكي سنة 1983 بعدما حظي بثقة الكاتب الأول للحزب الراحل عبد الرحيم بوعبيد الذي اختاره لهذه المهمة بتوافق مع المكتب السياسي وتمكن من جعلها تتصدر المشهد الصحفي لعقدين من الزمن”.

وأضاف المحافظ:” على الرغم من التزامه السياسي كان ضد أن تتحول الصحيفة لمنشور حزبي أو وسيلة للدعاية على حساب وظيفتها في مجال الإخبار والتوعية والتثقيف مما عرضه لمتاعب تهم عدم تفهم قيادة الحزب لوظيفة الصحافة، وهو ما دفعه سنة 1995 لفك ارتباطه بالجريدة، ليعمل لاحقا على فتح أفق جديد، فسرعان ما تولى رفقة فعاليات تأسيس جريدة “الأحداث المغربية” سنة 1998 وكان لا يتجاوز رأسمال كل مساهم فيها آنذاك نسبة 10 في المائة لضمان استقلاليتها، والتي شكلت في وقتها مغامرة دون ضمانات وضعت لبنات مدرسة صحفية تحترم قيم المواطنة والدفاع عن القضايا المصيرية”.

هيمنة حزبية

من جانبه، أوضح محمد الأشعري، الكاتب الصحافي ووزير الثقافة والاتصال سابقا، أنه تعرف على البريني في نهاية السبعينات، مباشرة بعد إضراب التعليم والصحة سنة 1979، وما تبعه من انتقام قمعي مس رجال التعليم والصحة في قوتهم اليومي.

وقال الأشعري:”البريني يبدو غير منشغل لما يوجد في السطح، فسحنة التأمل هذه لم تغادره أبدا حتى حينما ألقى بنفسه في الصحافة الحزبية بتناقضاتها ومخاطرها المادية والمعنوية، شكلت سمات المناضل الاتحادي التي آمن بها مبكرا بديلا في مقابل ما يتمتع به من روح إنسانية اكتسبها من مدينته الصحراوية التي ظلت لصيقة به، هو ذاك الوفاء المنقطع النظير لأفكاره السياسية والوفاء الصوفي لشغفه بالصحافة وأسلوبه الهادئ والصارم في الحوار والعمل المشترك، شخصيته المتواضعة التي لم تسمح له بالحق في فرض رأي أو مشروع مكنته من تعبئة طاقات بادلته الاحترام لبناء تجربة صحفية حزبية متميزة في تاريخ المغرب المستقل”.

وزاد الأشعري مبينا:”كنا نطرح وقتها أسئلة تمس علاقتنا بالمهنة والنضال السياسي والمناخ السياسي العام وتعبيراته الثقافية والسياسية، وعما كان يفرض علينا والخروج من صحافة حزبية ضيقة يؤطرها الخط السياسي الملزم إلى صحافة مستقلة قريبة من الحزب وغير خاضعة له تكون لها من القوة ما يؤهلها لبسط نفوذها وما يربطها بفكر اليسار وتوجهاته والذي يمثل الاتحاد أبرز تعبيراته”.

وعن ظروف وحيثيات مغادرة البريني للاتحاد الاشتراكي، قال الأشعري:”منذ تأسيس الاتحاد كان الحزب أكبر بكثير من الجريدة على نحو غير متوقع، ثم صارت الجريدة أكبر من الحزب، لا أريد العودة لمغادرته الجريدة في ظروف مؤلمة سنة 1995، لكن ما يمكن الإقرار به هو أنه ليس عليك أن تطلب منهم مناقشة الأمر قبل الشروع في تنفيذه ففي ذلك إخلال بالثقة، لكونهم”أنبياء” يجب أن تؤمن بهم لا أن تتقاسم معهم القرار وتنفيذه لذلك ابتكروا ديمقراطية الأنبياء التي تنظم بمقتضاها ساعات طويلة من النقاش قبل التفويض للقيادة التي ستتخذ القرار، شبت الجريدة عن الطوق وأصبحت مصدر إرباك شامل عوض استعمالها كقاعدة لإنجاح الانتقال كما بذلت حروب لإزالتها من الطريق”.

وأضاف الأشعري:”كل السنوات التي أمضاها لم تصمد أمام البنية التقليدية للحزب التي كانت تستعد للعبور للضفة الأخرى، ولعل البريني استخلص أن الجريدة المستقلة لن تكون كذلك إلا إذا كانت بدورها خارج الهيمنة الحزبية ولذا فكر في مشروع الأحداث”.

واعتبر الأشعري أن التحولات التي طرأت على الحزب تحت تأثير المشاركة في حكومة التناوب جعلت التعبير يبقى والتيار يذوب في دواليب الحكومة، لتظهر عناوين حسبت على الصحافة المستقلة بينما لم يكن جلها مستقلا إلا عن الأحزاب، وبعضها كان مستقلا بالفعل لكن ما إن زاغ عن الطريق حتى داسته الأحذية، في مقابل عناوين أخرى داهمتها المتابعات والمحاكمات وأخرى رصدت الأرقام في بورصة المعاملات التجارية، وكلها تحولات جسدت بطريقة مأساوية محنة التصادم بين الصحافة كبيئة حديثة والسياسة كبيئة تقليدية.

وأوضح الأشعري أن المغرب يتوفر على صحفيين مدهشين بشغفهم كالبريني، ولكنه لا يتوفر على منابر مرجعية كفيلة بتلقين القيم الأخلاقية المرتبطة بها وعلى رأسها حرية التعبير واستقلالية الصحافة.

وأشاد الأشعري بما أسسه البريني من مشروع ضخم للتحديث في المجال الصحفي وحرصه على استقطاب الكفاءات وخوض غمار المنافسة وتنويع العرض الصحفي وغيرها مما يشكل مادة للتأريخ لتحولات الصحافة الحزبية في البلاد.

المريد والشيخ

بدوره، قال خليلي الهاشمي الإدريسي، مدير وكالة المغرب العربي للأنباء،:”علاقتنا كانت بين المريد والشيخ وتطورت فأصبحت بين الشيخ الصغير والكبير والآن تربطنا الشيخوخة بفعل تقادمنا في المجال”.

ونوه الإدريسي بشخصية البريني المتزنة المبنية على الأصول الصحراوية وثقافة الجنوب الهادئ في معاملته مع الأحداث والزملاء، كثقافة مؤطرة بأسس أنتروبولوجية ونموذج سيكولوجي حقيقي، من خلال وقوفه على المبادئ والتزامه بالنسبة للقيم وإبداء مواقف حقيقية لا يتلاعب معها، لكنه بالمقابل، يمتلك ثقافة ديمقراطية عميقة بالحوار وتبادل الأفكار، يسجل التناقضات، ويدبر جيدا الضغوطات السياسية وضغوطات الأجهزة وكيفية التعامل معها بطريقة ذكية.

وسجل الإدريسي نجاح البريني في تأسيس جريدة الأحداث بطريقة ذكية وحكيمة، كونها جعلت المغاربة يكتشفون الصحافة والنقاش والقراءة، فعلى الرغم من طرح مشكل آخر يشمل المهنة غير المنظمة، وهي المعركة التي ستأخذ وقتا ومجهودا، فقد ساهم البريني في بناء قطاع مهني، بتناول كرامة الصحفي واحترامه بشكل متبادل وتعزيز مسؤوليته أمام الرأي العام، إلى جانب انخراطه في نقاشات لمعالجة قضايا الصحافة، جعلت من المغرب نموذجا غريبا على المستوى الإفريقي والعربي الذي كان يفتقد هذا الأمر، وهو ما ظهر عن طريق نقابات وفيدراليات وإنتاج مشترك لقوانين تشريعية، في سياق ثقافة تشاركية بين الحكومة والقطاع.

ودعا الإدريسي مختلف الفاعلين لإبداع نموذج جديد واستلهام حلول تفيد القطاع الذي يعاني من تبخر تام للقراء وانعدام الإشهار وانهيار المؤسسة الصحفية وحرب البقاء.

انهيار ثقافي خطير

بدوره، ذكر نور الدين مفتاح، مدير نشر أسبوعية “الأيام” ورئيس فيدرالية ناشري الصحف، أن البريني استطاع خلق لغة مهنية بتواضعه وعمله اللامحدود وارتباطه الوثيق بقضية الوحدة الوطنية ورفضه للمناصب والمكاسب، وهو ما تجلى في رفضه لرئاسة الفيدرالية والاكتفاء بعضوية المكتب التنفيذي.

وسجل مفتاح تخوفه من مستقبل القطاع في ظل ما يعانيه من ضعف اقتصادي بشكل مهول وصراع على البقاء.

وقال مفتاح:”هناك فقط 35 ألف نسخة مبيعات في اليوم لجميع الصحف، هو أمر رهيب، وانهيار ثقافي خطير، إذا كان العالم قد استفاد من ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، فالأمر تحول لنقمة كبيرة، حيث أن آخر شيء يفكر فيه الإنسان حاليا هو الكتابة الجميلة وقيمة الأسلوب والأخلاقيات والضمير المهني”.

بدوره، أفاد عبد اللطيف بن صفية، مدير المعهد العالي للإعلام والاتصال، بالرباط، أن هاجس طلبة المعهد في سنوات الثمانينات كان هو اختيار التخصص، حيث اتجه الأغلبية للمجال المرئي والمسموع، فيما اختارت الأقلية الصحافة المكتوبة، والتي كانت مرتبطة في الأذهان بالخوف من التعرض للسجن والاعتقال.

وقال بن صفية:”ما برر اختيارنا حينها هو تلك الرموز التي كانت تسكننا في الصحافة الوطنية ونضالاتها والمعارك التي كانت تخوضها، كنا نبحث عن انتماء وهوية لكي تكون سند لنا في هذا الاختيار في أسماء من قبيل البريني وغلاب وعلي يعتة ومحمد بن عيسى وغيرها”.

وأكد بن صفية أن اسم البريني يظل حاضرا كلما جرى الحديث عن الصحافة الوطنية في عصرها الذهبي، اعتمادا على معاركه المتعددة، ومساره الحافل، حيث امتزج أداؤه الصحافي والتدبيري ببيداغوجية المدرس والتزام المناضل، كما أنه جعل من صحف حزبه منصة للدفاع عن مكتسبات القضية الوطنية في فترة تعرضت فيها البلاد لتعاظم التحديات الإقليمية.

وأضاف بن صفية:”شكل حقبة مشرقة للصحافة الحزبية، بتشكيله الوعي وتجاوز صحافة الرأي والتطلع لإقرار صحافة الخبر تحديا داخل المنبر الحزبي. هو فارس المعارك الصحفية بامتياز وممثل للصحافة الوطنية واليسار المعارض من جهة ثانية والصحافة اليومية المستقلة من جهة ثالثة، واكب ملاحم وطنية عديدة، من ضمنها تغطيته لحرب الخليج الأولى والثانية وما صاحبها من مسيرات مليونية عمت حواضر المغرب ورسمت تمثلات مشرفة للمجتمع المغربي وانتمائه العربي والإسلامي”.

ولفت بن صفية إلى جانب البريني كروائي ظل وفيا لشغفه الصحفي وجعل من تاريخ الممارسة الصحفية بالمغرب مجالا لإبداعاته، فاختار رواية قصص معاناة جحيم الإعلام خلال سنوات الرصاص في قالب فكاهي.

البريني..الملتزم بقضايا الحرية والوطن

وقال محمد برادة، مدير عام شركة سابريس سابقا، :”علاقتنا استمرت حوالي نصف قرن، الزمان آنذاك لم يكن يحسب بالأيام بل كانت الأحداث والأزمات والتحولات المتسارعة ولم يكن لنا اختيار سوى الانغماس فيها، كنا في الاستقلال ضمن المناضلين عشنا تغيرات متتالية وانعكاساتها منها التهديد والتحدي والصراع من أجل البقاء والحياة والحرية”.

وزاد برادة مبينا:”البريني لم يكن يعرف الخنوع ولا الاستسلام، يرفع التحدي بجرأة الملتزم بقضايا الحرية والوطن، يبدأ يومه بتحليل النتائج والإحصائيات قبل الأخبار، هو الصحفي المسؤول والواعي بجسامة مسؤوليته نجح بالخروج بالجريدة من رصاص المطبعة لعالم التقنيات لتصبح في مستوى المنافسة، بالإضافة إلى أنه أسس للصحافة المعاصرة، و أدى الثمن غاليا، في ظل الأزمات والثورات الحقيقية التي أدت بدورها لتحولات أخرى، لكن ما أسس له من صحافة المهنيين جعلنا نفخر اليوم ونعتز بانتمائنا لقبيلة الصحفيين”.

الصورة الطيبة

وتحدث الإعلامي عبد الإله التهاني عن البريني، وقال:”ما زلت أحتفظ عن هذا الرجل، في ذاكرتي وفي مشاعري، بالصورة الطيبة التي رسخها بأخلاقه وخصاله، في قلوب الأصدقاء والزملاء، ولدى من خبروه عن قرب، صورة إنسان شهم وصادق ومتواضع، قليل الكلام، كثير العمل. ورغم شجاعته، وصبره على المحن والشدائد، إلا أن بداخله إنسانا يتأثر كثيرا، وقد يبكي بعقوية وتلقائية، وهو يحكي عن مظلمة أو غدر أو خذلان”.

وأضاف التهاني:”لقد روى بنفسه ما جرى، وكيف جرى. وإني أحييه وأكبر فيه، ما أعطى وما بذل من أجل مهنة الصحافة في وطنه، رغم ما  قد يكون هناك من رأي أو نظر أو نقد، بشأن بعض اجتهاداته الصحفية”.

وعاد التهاني إلى بداية تعرفه على البريني، وقال إنه بدأ يسمع عنه”في وقت مبكر، وأنا ابن السابعة عشرة من عمري. كان ذلك في العام 1976، حين بدأت أنشر نصوصي الشعرية الأولى في يومية”المحرر”، بعد أن كنت قد نشرت أولى محاولاتي الشعرية المبكرة في جريدة”العلم”.

وقال التهاني إنه يذكر كيف أنه واظب بحماس، وهو دون سن العشرين، على نشر مقالات ثقافية انطباعية، وتغطيات موسعة لندوات أدبية وفكرية وسياسية، وذلك على أعمدة جريدة”المحرر”، التي كان محمد اليازغي، قد أصبح مديرا لها، خلفا لمؤسسها الراحل عمر بنجلون، وواصل ذلك حتى عام 1981، قبل انتقاله للكتابة بانتظام في صحيفة”العلم” وملحقها الثقافي، باحتضان كريم من الكاتب الألمعي الراحل عبد الجبار السحيمي.

وقتها كان البريني، يضيف التهاني، مسؤولا عن التحرير في جريدة Liberation، التي كانت تصدر بالفرنسية، وتوجد مكاتبها في نفس البناية مع جريدة”المحرر”، بزنقة”الجندي روش” في الدار البيضاء.

كانت”ليبراسيون”، يوضح التهاني، امتدادا لشقيقتها الكبرى”المحرر”، وصوتا لحزب الاتحاد الاشتراكي باللغة الفرنسية. وفي هذه المرحلة، كان صدورها يتم أسبوعيا، قبل أن تصبح صحيفة يومية.

وذكر التهاني أن البريني كان له”دور محوري ومركزي في Liberation، ومنذ ذلك الحين، وما سيتلوه من حقب، لم يكن يصلنا عن الرجل، سوى كلام عن هيامه بالعمل دون كلل، كأنه منذور للتضحية والإيثار.

بعدها، بدأت صورته تترسخ في أذهاننا، باعتباره رجل الظل الذي يصنع في صمت، ما يخرج إلى الأضواء. وستكتمل هذه الصورة وتزداد وضوحا ولمعانا، حين عين مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي، بقرار من الزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، مديرا ليومية”الاتحاد الاشتراكي”، بعد إيقاف جريدة”المحرر” عن الصدور، جراء تصاعد التوتر السياسي بين الحزب والسلطات”.

وأشار التهاني إلى أنه طيلة فترة إشرافه على الجريدة الجديدة، تحقق لها نجاح مبهر، وبكيفية غير مسبوقة، حيث بلغت قمة انتشارها، وتبوأت موقع الريادة في قائمة اليوميات المغربية، سواء منها الصادرة بالعربية او الفرنسية، واستمرت لسنوات، تستأثر بالمرتبة الأولى، من حيث حجم التوزيع ونسبة المبيعات، بفعل التوليفة التي اهتدى إليها البريني بذكائه المهني، ساعيا إلى الموازنة بين متطلبات الانضباط للخط السياسي للجريدة باعتبارها منبرا للحزب، وبين شروط المهنية والاستقلالية التحريرية التي كان يدافع عنها ومعها الطريقة التي يراها أنسب، من أجل تصريف الخط السياسي المذكور.

وخلص التهاني إلى القول أن البريني له اليوم أن يهنأ ويسعد بهذا التكريم، من مؤسسة ثقافية كبيرة ووازنة، راسخة البنيان ومشعة المنار، اسمها”موسم أصيلة الثقافي”، برعاية وعناية من مؤسسها ورئيسها، معالي الأستاذ محمد بن عيسى، الذي سيظل عمله ومنجزه الريادي، مخلدا في الذاكرة الثقافية، مغربيا وعربيا وعالميا، لما أسداه وما زال يسديه للثقافة وأهلها من جليل الأعمال.

أما عبد الله البقالي، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، ومدير جريدة”العلم”، فاعتبر أن البريني شكل أول نموذج ينتقل من الصحافة الحزبية في إطار هش إلى صحافة المقاولة بمقاربة شاملة، وهي عملية ليست سهلة في إطار الظروف التي شهدتها البلاد، وبالتالي نقل المقاولة الإعلامية لنظام الشركة لا تسمح لطرف أو جهة بالاحتكار، فضلا عن صناعة جيل جديد من الصحافيين المتشبعين بمغرب آخر بأفق أوسع.

وقال البقالي:”كنا في أمس الحاجة لأزمة كورونا لأن التطبيع معها كان طبيعي، وأيضا لرؤية المشهد والدولة وردود أفعالها تجاهها، علما أن المغرب كان من أكبر الدول التي دعمت الصحافة في زمن كورونا بمبلغ مالي مهم جدا ناهز 40 مليار سنتيم، وهو ما يفيد بوجود حاجة ملحة لدعم منظم من طرف الدولة”.

من جهته، قال محتات الرقاص، مدير نشر صحيفتي البيان وبيان اليوم،:” قد نكون تجاوزنا النقاش حول صحافة الأحزاب لنتحدث عن أزمة وجود الصحافة المغربية بأكملها، المسؤولية تفرض تفكيرا أكثر عمقا وهو ما يشتغل عليه مهنيون ومنظماتيون بشكل يومي”.

وأوضح الرقاص أن البريني يعد أحد قيدومي المهنة وأساتذتها، عاش زمن الصحافة الحزبية المتألقة فضلا عن عمله كمسير لها، صنع زخمها الإعلامي والثقافي، فهو يمثل سيرة صحفي عاش زمنا يمنح تجاربا ودروسا، وتخرج على يديه عدد من الصحفيين، مما يجسد زخما معرفيا مهما، إلى جانب أنه يمتلك علاقة حميمية بالوطن والإنسان المغربي.

واعتبر الإعلامي والكاتب محمد بوخزار، أن البريني كانت دائما لديه نزعة الانزياح عن الخط الحزبي مع الانفتاح على الصحافة الوطنية، وهو ما ترجم إصداره لجريدة مع خط مرن ومنفتح.

وأشار الصحفي مصطفى العراقي، إلى ظروف الاشتغال الصحفي التي تميزت بالرقابة سياسيا من سنة 1985 إلى 1992 حيث كان وزير الداخلية هو ذاته وزير الإعلام، لكن ذلك لم يمنع البريني من العمل رفقة باقي الزملاء بنفس مهني، ودعوته لهم بالاجتهاد والإبداع في جريدة الاتحاد الاشتراكي، خاصة في ظل التبويب التقليدي للجريدة والأعداد اليومية التي كانت متشابهة، علما أنه قام ببناء المنصة الأساسية لانطلاق هذه الجريدة.

الغزيوي: “كبيرنا الذي علمنا كل شيء”

وشهدت جلسة المساء مشاركة عدد من تلاميذ البريني، من ضمنهم عبد الحكيم المداحي، مدير تحرير صحيفة الأحداث المغربية، الذي لفت إلى أنه يشكل جزءا مهما من تاريخ الصحافة المغربية.

وميز المداحي بين الصحافة في المغرب التي ظهرت في القرن التاسع عشر والصحافة المغربية التي ارتبط ظهورها بالمصلحة الحزبية، مشيرا إلى أن الصحافة الوطنية المغربية ارتبطت بالعمل السياسي الحزبي.

واعتبر المداحي أن العلاقة بين العمل الحزبي والصحفي متكاملة، فالعمل الحزبي شكل ضرورة لتحقيق مطالب محددة كانت ترتكز على إنهاء الحماية وإقرار الاستقلال فيما شكلت الصحافة وسيلة لنشر هذه المطالب والوعي بالقضية.

بدوره، قال المختار الغزيوي، مدير نشر جريدة الأحداث المغربية،:”البريني هو الأب والأستاذ وكبيرنا الذي علمنا كل شيء، وأنا ممتن للغاية لهذه المدينة التي جمعتنا به، هو يكره التكريم والمدح وأنا أعرف أنه يعاني في صمت في هذه اللحظات، يكره أن تقول له أحسنت ويحب من ينتقده، وهو من علمنا النقد”.

وأضاف الغزيوي:”أحسسنا بحدوث زلزال وكأن الأرض اهتزت بنا حينما أخبرنا محمد البريني بمغادرته لإدارة الجريدة فالأحداث المغربية تعني فقط البريني، وأتذكر حينها أنه قال لنا جملة ينبغي أن تدرس على مستوى المؤسسات التعليمية والمدارس الصحفية ومراكز القرار مفادها أنه من الضروري وجود خلف فالحياة ليست دائمة”.

إنسان استشرافي استباقي

وأفادت نادية المهيدي، أستاذة باحثة في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، أن رحلتها بدأت معه كطالبة في المعهد، مسجلة ضرورة الإلمام بالأقلام الرصينة والمتزنة، من ضمنهم البريني، الذي كان يقوي ويزكي القلم الهش المبتدئ في اكتساب أدبيات المهنة.

وقالت المهيدي:”البريني نجح في فك رموز معادلة كيف تكون صحفيا مهنيا وتنتصر لقيمها من داخل يومية حزبية بكل ما تحمله من مسؤولية وثقل في صياغة خبر. وجدت نفسي في حضرة هامة وإنسان استشرافي استباقي وجد لجريدة الاتحاد الاشتراكي نموذجا اقتصاديا وخلف فائضا ماليا حينما غادرها وهي التي تعاني اليوم وكل الجرائد من انخفاض المبيعات”.

وأشارت المهيدي إلى انخراط أكبر لدى البريني بالقصص الإنسانية من داخل قصاصات الأخبار.

وأكدت المهيدي أن رهانات الصحافة تفرض البحث عن القارئ أينما يوجد في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة لمواكبة روح العصر والتحديات التي تفرضها.

من جهته، لفت سعيد الخمري، أستاذ جامعي وصحفي سابق بالأحداث المغربية، إلى قوة تجربة البريني من خلال تجربة الأحداث المغربية، والتي تكمن في مهنيته وتواضعه، والتزامه بالقواعد المهنية، وتبني خط تحريري واضح للجريدة، بدون اعتماد ثقل إيديولوجي، أو خطوط حمراء، بحضور ثوابت للبلاد والمرتكزة أساسا على النظام الملكي والوحدة الترابية والديمقراطية.

وقال الخمري إن الجريدة استطاعت بجهد مهني مواكبة الأحداث بمجهود كبير جعل قاعدة قرائها تتسع رغم الثقل السياسي والحزبي الذي طغى عليها من ناحية أخرى.

هم مشترك لخدمة الصحافة والوطن

من جانبه، أعرب الصحفي محمد البريني، عن اعتزازه بالتكريم الذي حظي به في مدينة أصيلة، باعتباره أروع ما يمكن أن يحلم به.

وقال البريني متأثرا:”أتمنى التوفيق لمؤسسة منتدى أصيلة، وكلي ثقة أنها ستظل متألقة ومنارة عالية يشيع منها الجمال والثقافة،  بالغ امتناني للأحبة والأصدقاء والزملاء الذين قدموا شهاداتهم بحقي، كلامكم أسعدني كثيرا وأخجلني أكثر، أدرك أنه نابع من كرمكم، ولكم علي الكثير من الأفضال تعلمت منكم الكثير، وكل ما حصل ما كان ليحدث لو لم ألتقي بكم سواء داخل المنشآت الصحفية أو خارجها، هو زمن مهني وإنساني مفعم بالمودة والصدق والمشحون بالهم المشترك لخدمة الصحافة والوطن”.

وأضاف البريني قائلا:”ارتكبت أخطاء كثيرة منها اثنان، أحدهما أخلاقي والآخر مهني، يهم منع تغطية جريدة الاتحاد الاشتراكي لمظاهرات شهدتها البلاد سنة 1984، أقر أن الشجاعة خانتني، حيث كان علي حينها ترك المنصب بالجريدة، أما الخطأ الأخلاقي، يضيف البريني، فيشمل نشر قراءة نقدية لمختص في علم الاجتماع لبرنامج تلفزيوني، بشكل غير لائق تجاه مقدميه، وهو ما أشعره بالخجل رغم تقديمه لاعتذار أمام المحكمة، إلا أنه لم يكن كافيا بالنسبة له”.

من جانبه، اقترح محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، تسمية القاعة التي احتضنت التكريم بقاعة محمد البريني.

وقال بن عيسى:”هي الفضاء الوحيد في مركز الحسن الثاني الذي افتتحه الملك محمد السادس وهو وولي للعهد سنة 1987 ، الذي يتم إطلاق اسم عليه”، مشيرا إلى أن هذه القاعة شهدت اليوم تناول جزء كبير من تاريخ فترة حكم الملك محمد السادس وما حدث في تاريخ الصحافة في تلك الفترة، مما جعله يستوحي فكرة تسمية هذه القاعة بقاعة محمد البريني”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى