مثقفون يلتئمون في لقاء”الوفاء والاعتراف” في أربعينية الكاتب ادريس الخوري

العوفي: الراحل هو"منظر النميمة الأدبية بامتياز"

أحيت المكتبة الوطنية للمملكة المغربية واتحاد كتاب المغرب، مساء السبت، أربعينية فقيد القصة والمقالة في المغرب، الكاتب والصحفي ادريس الخوري، وفاء لروحه وتقديرا لحضوره الإبداعي والثقافي والإعلامي الكبير.

وتميز اللقاء بتنظيم معرضين لصور الراحل وبعض أغراضه الشخصية، فضلا عن تقديم شريط مصور عن جوانب من مسيرته الحياتية وحضوره في الساحة الإبداعية والإعلامية الوطنية.

وشارك في اللقاء أيضا ثلة من أصدقاء الراحل من مبدعين ومثقفين وأدباء، الذين قدموا شهادات مؤثرة بحقه.

الالتزام بالإنسانية

وقال محمد الفران، مدير المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، إن الخوري يعد نجما من نجوم الأدب المغربي الحديث، إلى جانب كل من محمد زفزاف ومحمد شكري، مسجلا أن”با ادريس” كما كان يحلو لأصدقائه مناداته شخصية ألمعية فذة، بصم الأدب المغربي بالكثير من العطاءات، تاركا ذكرا طيبا وميراثا من الإبداع والخلق الرفيع.

وأضاف الفران:”لقد أعطى بسخاء وعن طيب خاطر في وقت تشتد فيه الحاجة إلى أمثاله من الرجال الأوفياء الصادقين، هو شخص متواضع وقنوع وملتزم بإنسانيته وواجبه، حمل أمانة الكتابة بإخلاص بكل تجربته وحبه للجميع، في سياق قيم قل نظيرها في الزمان، يمثل أجيالا عملت لسمو القول والإبداع مهما كلفها الصدق والواجب من تضحيات جسام، ليظل حاضرا في الرباط التي احتضنته منذ صار اسمها يرتبط بمزاجه وفرحه، الخوري تميز بعشقه للمغرب واللغة وتراثه البدوي والدعابة وحب الناس”.

صديق كل المغاربة

وأفاد عبد الرحيم العلام، رئيس اتحاد كتاب المغرب، أن الخوري ترك فراغا إنسانيا كبيرا قد يصعب ملؤه، حيث عود محبيه وأصدقاءه ومعارفه على السعي في أن يعيشوا الحياة ما استطاعوا إليه سبيلا، ليحصل بذلك على لقب”صديق كل المغاربة”.

وأوضح العلام أن بداية علاقة الراحل مع الكتابة والخاطرة كانت بكتابة الخاطرة أولا ثم الشعر الحديث، ليبدو له لاحقا أن الصحافة هي المختبر الأول لتحديد الاتجاه الذي يرغب فيه، قبل أن يتخصص لاحقا في كتابة القصة القصيرة، بعد أن اكتشف القدرة على الحكي والسرد والوصف، لينتهي به المطاف كاتبا للقصة والمقالة، حيث وجد فيها ضالته باعتبارها لقطة مهمة في الحياة، إلى جانب اهتمامه بالفنون التشكيلية والسينما.

وزاد مبينا:”قام بتطليق كتابة الشعر والخاطرة ليبقى وفيا لمعشوقته القصة، هو ذلك الإنسان الذي ظل صامدا أمام فساد الأمكنة وكماشة الأزمنة، جعل من الحياة مدرسته الدائمة، يكتب الواقع بحواسه، ويعيد ترتيب علاقته الإنسانية بالليل والضحك والكآبة، هو أيضا الأب المفترض الذي قد يكون فقده كل منا، مع كل تلك الروح المرحة المفعمة بالفرح والحميمية والدفء والألفة حتى لو كانت معاشرتك له عابرة”.

وذكر العلام أن كتابات الخوري تعبر من قضية لأخرى ومن ظاهرة ثابتة لأخرى متحولة ومن نص شعري لقصصي وتشكيلي وسينمائي ومسرحي، ليقارب الزمن المغربي والعربي في هزائمه ومسراته وشجونه.

الطفل المدلل

من جانبه، أعرب نجل الراحل، يوسف الخوري عن شكره للملك محمد السادس على برقية العزاء في وفاة والده، واصفا إياها بأنها كانت بلسما على قلوب الجميع.

وقال الخوري إن رحيل والده كان مباغتا وموجعا، ليترك فقدانه حزنا يفوق”حزن الرأس والقلب”، لافتا إلى أنه كان متفردا في لغته وصاحب السهل الممتنع في سرده، بالإضافة إلى كونه إنسانا استثنائيا، بحيث لم يكن الأب التقليدي بل كان أخا وصديقا، و”طفل العائلة المدلل”.

وأضاف الخوري:”هو أيضا صديق الجميع، المتسامح والصريح جدا، آخر نصوصه”قفطان ربى”، في إشارة لحفيدته المدللة، لم ينشر بعد، وللإشارة سنعمل على نشر كل النصوص والمقالات الكثيرة التي خلفها تباعا”.

بدوره، أشار الكاتب العماني، سيف الرحبي، إلى أن الخوري شكل ظاهرة بنسيج مشترك مع كل من زفزاف وشكري، مترجما ثقافة الحياد والمعاناة والمعيش الذي يخترق نسيج الإبداعات الكثيرة والهاجس الجوهري في حياتهم.

وقال الرحبي:”هي ذكريات تخرجنا من الإطار الحزين للمرحلة العربية لفسحة من الفرح والنكتة، مما آل إليه الوضع العربي في كل مستوياته، في إطار رحلة طويلة ممتدة مع الرجل الفريد في الثقافة والحياة”.

الخوري..ابن الشعب

من جهته، أشاد عز الدين سعيد الأصبحي، سفير اليمن في المغرب، بخصال الراحل وإسهاماته في الحقل الأدبي.

وقال الأصبحي:” أول ما لفت انتباهي هو لقبه الذي يحيل على المشرق، ويمكن القول إن الخوري رفقة زفزاف وشكري بنوا جسرا مهما في التواصل على مستوى الوطن العربي، وحلقت عاليا لتقلص من الاحتكارية التي كانت حينها في عواصم المشرق العربي، وبالتالي فالدول مثل اليمن وعمان والمغرب هي التي استطاعت أن تعيد الأمور لنصابها، وهنا يطرح السؤال كيف استطاع هؤلاء الوصول لأقصى نقطة اتصال في المنطقة العربية”.

ونوه الإعلامي المغربي المقيم في أميركا، محمد العلمي، بالإرث الأدبي والإنساني للخوري الذي كان طفلا صغيرا في حب الناس والحياة رغم جرأته التي قد تزعج الناس أحيانا، وما يخلفه ذلك من انطباع أولي سلبي، إلا أنه لم يكره أحدا، فكان ابن الشعب، فضلا عن حبه للجلوس رفقة المواطنين البسطاء والناس العاديين”.

مشاغب جميل في الاتجاه المعاكس

وأوضح الكاتب والناقد نجيب العوفي، أن الخوري تميز بالعزوف عن الطقوس الاحتفالية البروتوكولية في السراء والضراء، مع اعتماد لغة ساخنة ورشيقة، شكلت عصامية فذة موصولة على امتداد 6 عقود.

وقال العوفي:”لقد كان يقرأ لعدد من الأدباء المشارقة، ليتخذ لاحقا من لقب الخوري اسما ثانيا له لا يخل من دلالات سيكولوجية، فاجأ به القراء المغاربة، فهو مغربي حتى النخاع بكنية شرقية مسيحية، ليطل علينا مشاغبا جميلا في الاتجاه المعاكس، هو أيضا من أوائل الكتاب الذين مثلوا الطلائعية الجديدة قبل ظهور الكتابة الحديثة في السبعينيات.

وسجل العوفي حدوث صدام خفيف بينه وبين الخوري، بعد إصداره ل”حزن في الرأس والقلب”، مشيرا إلى تقديمه لقراءة نقدية سابقة، تسجل الحديث عن تيمة واحدة، لكن الخلاف لم يكن ليفسد للود قضية، فهو”منظر النميمة الأدبية بامتياز” و”أجمل النمامين”.

عصامية مطلقة

وثمن الناقد والأديب حسن البحراوي، مسار الراحل المتميز بالعصامية المطلقة، مسجلا أن علاقته بالثقافة والأدب بدأت في الخمسينات، ليرتبط ذهنه بالشعراء، حيث كانت مدينة الدار البيضاء حينها ناشطة ثقافيا، من خلال احتضانها لفعاليات ولقاءات ثقافية وأدبية، دفعته لإظهار محاولاته الشعرية الأولى.

وأضاف البحراوي:”هو خليط بين المحافظ والليبرالي، يمثل هموم الشعب، قصصه لا تشبه قصص الجيل السابق، فجيله إلى جانب شكري وزفزاف يمثلون الموضوع لزاوية الهامشي في المجتمع المغربي”.

كاتب جدلي

من جهته، لفت الشاعر والكاتب محمود عبد الغني، أنه عاصر الخوري خلال مرحلتين، أولاهما اشتغالهما معا في جريدة الاتحاد الاشتراكي، ثم الاقتراب منه كشخص مثقف وأديب.

ومضى عبد الغني قائلا:”هو طفل، لن يتكرر في الأجيال المقبلة، ربما يتكرر في أبنائه وأحفاده، الخوري كاتب جدلي، يستطيع أن يربط كل شيء في بوتقة واحدة دون أن تلاحظ الفرق، لا يخلط بين الصحافة كوسيلة للتواصل والقصة القصيرة كفن، قصصه عموما خالية من تقنيات الصحافة باستثناء بعض المفردات المقتبسة من الحياة الراقية للناس، يستطيع الاستفادة من الأخبار والكتب والأشخاص على اختلاف مراتبهم”.

وأكد الصحفي عبد الحميد الجماهري، أن الخوري مثل جيلا لغويا مترامي الأطراف جعل اللغة تخرج من الكتب الباردة للمعارض وشوارع الدار البيضاء، حيث روضها لتكون مغرية ترافع عنه وتشبهه، مشيرا إلى رفضه للماسونية الأدبية وتقييد روحه في قالب جاهز ومحدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى