مسؤولون وخبراء يقاربون في”منتدى أصيلة” جهود الخليج في ترميم النظام الإقليمي العربي

مستشار ملك البحرين: الغرب فتح المجال لإيران لتعيث إرهابا في الساحة العربية

أجمع مسؤولون خليجيون وخبراء مغاربة على أهمية دور دول مجلس التعاون الخليجي في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح بين دول الشرق والغرب، في ظل ظرفية عالمية تتسم بالتقلب والاضطراب، مثمنين دعم الخليج العربي للوحدة الترابية للمملكة المغربية، التي ما فتئت بدورها تدافع عن مصالحه الكبرى في سياق العلاقات الثنائية المميزة التي تجمع بين الجانبين.

تحديات كبرى

وأشار محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، إلى الأدوار الطلائعية التي اضطلعت بها الدول الخليجية في مساعي السلم والتنمية في المشرق العربي منذ عقود طويلة، عبر الوساطة والدعم لضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط ودول إفريقيا.

وأوضح بن عيسى، الذي كان يتحدث مساء الجمعة، في الندوة الثالثة لمنتدى أصيلة، بعنوان:”الخليج العربي: بين الشرق والغرب، المسألة الشرقية الجديدة” أن دول الخليج العربي واجهت تحديات كبرى أبرزها استفحال التدخل الخارجي للقوى الإقليمية غير العربية التي أصبح لها حضور مكين، إلى جانب التأثيرات المباشرة للأزمات الدولية وانعكاساتها على الطاقة والأمن الغذائي ضمن موازين ورهانات الخارطة الإقليمية للمنطقة.

وأفاد بن عيسى أن الحديث عن المسألة الشرقية الجديدة التي تعني إعادة توزيع القوة بالمنطقة الشرق أوسطية لدول الخليج لها دور فاعل بحسب خطوط التحول ومسارات التشكل المستقبلية.

ترميم النظام الإقليمي العربي

من جانبه، سجل جمال سند السويدي، مستشار رئيس دولة الإمارات ونائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،أن الحديث عن المسألة الشرقية موضوع ملح يستوجب التعرض لمفاهيم سياسية كالدولة والوطن كوحدة فاعلة في النظام الإقليمي والدولي، مع مقاربة مفهوم الثقافة والانتماء وما تعرضت له هذه المفاهيم على خلفية تمزقات نتيجة التنافس من طرف الدول الأوروبية على ثروات الدول العربية قديما وحديثا.

واعتبر السويدي أن الإمارات تبذل دورا في ترميم النظام الإقليمي العربي الذي يعد من نتائج الربيع العربي في ظل الظروف الصعبة التي تمر منها دول عربية، بالاستثمار في نموذج التسامح الإماراتي، كعنصر مهم في تعزيز القوى الناعمة بالدولة، مضيف أن الصورة الإيجابية التي تقدمها بلاده بصفتها دولة التسامح تعمل على بناء جسور التعاون والتواصل بين الثقافات وتنبذ خطاب التطرف والعنف.

وزاد قائلا :”ان محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة هو السند والداعم الكبير للتسامح، لكونه من أبناء مدرسة المغفور له الشيخ زايد، وهي المدرسة التي أسست مبادئ التسامح وحب الخير والتعايش والاحترام واحترام التنوع الثقافي والفكري والحضاري”.

تدخلات فجة

من جهته، ذكر نبيل يعقوب الحمر، مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام، أن التحولات التي شهدتها سياسات القوى الكبرى في التعاطي مع المنطقة العربية على وجه الخصوص والتي اتسمت بالتقلبات والتقلبات الحادة في أحيان كثيرة، والتدخلات الفجة في الشؤون الداخلية لهذه الدول تحت شعارات مختلفة وواهية ولم يكن آخرها محاولات فرض قيم مرفوضة دينيا واجتماعيا وإنسانيا وخلقيا على العالم العربي.

وأشار الحمر إلى هيمنة أميركا والاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة على العالم وما أعقب ذلك من انهيار الإتحاد السوفياتي لتستفرد الولايـات المتحدة بالعالم وحدها ومن ثم تفرض شروطها وسياساتها والتي نال منها العرب نصيبهم وخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لتظهر في الأثناء قوى عالمية جديدة تتشكل في الجهة الشرقية من العالم وخاصة بروز الصين كقوة عالمية امتدت بتأثيراتها على كل بقاع العالم بما فيها الولايات المتحدة نفسها التي كانت تراقب بحذر شديد صعود الصين التي مارست ضبطاً للنفس في الأزمة التايوانية الأخيرة، لافتا إلى أن الحرب الاوكرانية المستعرة حتـى هـذه اللحظـة هـي بدايـة تشكـل نظـام عالمـي جديــد، ليصبح العالـم أمـام حقبـة سياسيـة جديـدة سـوف تتغيـر فيهـا الموازيـن وتتعـزز مواقـع بعـض القـوى وتفقــد أخرى مواقعها كما بدت فيه أوروبا التي لم تعد إلا ذراعا للولايات المتحدة خلال الحرب الاوكرانية والتي افتقدت الزعامات التاريخية.

وزاد مبينا:”الحرب الأوكرانية كشفت الكثير من مواقف العالم الغربي وخاصة ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والمبادئ والمفاهيم والإعلام الحر التي ذهبت كلها أدراج الرياح عندما لامست الحرب العالم الغربي، وكوني رجل إعلام فلا أعرف حتى الآن كيف سوف تصنف المنظمات الغربية كمراسلون بلا حدود ومنظمة العفو ما مارسه الإعلام الغربي من مصادرة للآراء وعنصرية وحجب المواقع الإعلامية خلال الحرب فيما كانت طوال السنوات الماضية تدين وتشجب وتستنكر وتحمل علينا وعلى إعلامنا!!!”.

فتح الساحة العربية لإيران

وقال مستشار ملك البحرين لشؤون الإعلام إن الغرب مـارس ضغوطــات كبيــرة علــى دول الخليــج خاصــة مــن أجــل إحـــداث تحولات رئيسية في مواقفها بالنسبة للحـــرب، وتنوعت هذه الضغوطــات بيــن العسكريــة والاقتصاديــة والسياسيـــة والإعلاميـــة وحتــى المثليــة، والأهــم هــو قيــام الغرب بفتــح الساحــة العربيــة لإيــران مــن أجــل أن تعيث فيها إرهابا ودماراً، خاصة أنه لم يكن من مصلحة دول الخليج ان تدخل طرفاً في هذه الحرب أو في الصراع الدائر بين الدول الكبرى، فهذه الدول تملك تاريخاً طيباً وعلاقات اقتصادية مستقرة سواء مع روسيا أو الصين أو سائر الدول الشرقية، وطوال تاريخها فإن دول الخليج حاولت ان تتجنب الصراعات وسياسات الاستقطاب من أية جهة كانت، واحتفظت بعلاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية مع الجميع.

وقال الحمر:”إذا ما كانت هناك حسنة لما كان يطلق عليه الربيع العربـي والذي خطـط له من قبـل الـدول الغربيـة لتدميـر الدول العربية وانهيارها، فإنها خلقت تحولات إيجابية جديدة في عالمنا العربي، فيما يخص تعزيز الجبهة الداخلية العربية والنأي بها عن التدخلات الخارجية، وتكثيف الاتصالات والتنسيق فيما بين دولنا من أجل خلق مواقف أكثر إنسجاماً في الحديث مع الخارج إلى جانب الوعي العربي العام الذي تشكل في اعقاب ذلك”.

واعتبر الحمر أن الاستقرار والأمن الذي رسخته دول الخليج لعقود طويلة خلق نهضة تنموية كبيرة ومثالية، انعكست إيجابياً على الشعوب التي زاد التحامها والتفافها حول أنظمتها مما فوت فرص كثيرة لضرب هذه الأنظمة المستقرة، فيما كانت الشقة تتباعد أكثر وأكثر بين النظام الإيراني والشعب الذي عانى من فقر مدقع وذلك لقيام هذا النظام بصرف مدخرات ايران على منظماته المواليه وأهدافه التوسعية في الخليج وزعزعة الأمن والاستقرار فيه، هذا الأمن والاستقرار والتنمية شهدت أيضا عبثا من قبل أطراف دولية متعددة ساعدتها في ذلك أحزاب ومنظمات تعتنق ايدلوجيات مهترئة وكانت يوما ما في سدة الحكم ولم تستطع ان تخلق أي مجتمع مثالي، فانهارت بعد ان انقلبت على ما ادعته من مبادئ تقدمية، معتبرا أن الخليج العربي يقود اليوم حراكاً دبلوماسياً لا شرقياً ولا غربياً، بل يضع مصالح شعوبه ومصالح الأمة العربية في المقدمة، وانتهج سياسات لم تعد قائمة على رد الفعل بل الفعل، والعمل بما يحصن جبهته الداخلية إزاء أي محاولات لا تتماشى مع مصالحه .

شعارات زائفة

وأكد الحمر انتهاء الايدولوجيات والأحزاب التي أضرت بالدول العربية لتنكشف وانكشفت شعاراتها الزائفة أمام الرأي العام، متسائلا:”أين أحزاب الإسلام السياسي كالإخوان.. وأين الأحزاب التي ادعت التقدمية ونصبت نفسها مدافعة عن قضايا الأمة العربية كحزب البعث وغيرهم من الأحزاب مدعية التقدمية والديمقراطية وحملت لواء العروبة والقومية ولكن في نفس الوقت تعقد التحالفات مع صنيعة إيران وما يطلق عليه حزب الله وتصمت عن جرائمه المخزية في دولنا العربية وما يرتكبه من مذابح واغتيالات؟”.

وسجل الحمر أن الخليج العربي يشهد اليوم تحولات تسير في نسق طبيعي وسريع فاجأ الكثيرين، لتشق اليوم طريقها بقوة وثبات وثقة وتصبح رقماً صعباً في السياسات الدولية، سياسيا واقتصاديا ودينيا وإنسانيا، مستدلا بالزيــارة التاريخيـة التي سيقــوم بها البابا فرانســيس بابا الفاتيكان للبحرين في 3 نوفمبر المقبل ولمدة أربعــة أيــام تلبيــة بدعــوة مــن عاهل البحرين، للمشاركـــة فــي ملتقــى البحريــن “حوار الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني”.

صراعات متصاعدة

بدورها ، أوضحت سميرة رجب، المبعوث الخاص للديوان الملكي ووزيرة الدولة لشؤون الإعلام والمتحدث الرسمي باسم الحكومة البحرينية سابقا، أن العالم يعيش منذ بداية القرن الجديد فترة تحول دولي تتميز بصراعات متصاعدة، تجاوزت قواعد ومرتكزات العلاقات والسياسات الدولية السائدة، في مواجهة لمنع صعود دول عظمى جديدة هي أقرب اليوم إلى القمة من القوى القديمة، معتبرة أن العالم سيخرج من هذه الصراعات نحو حتمية صعود الصين إلى موقع القوة العظمى الأولى أو الشريك الرئيسي في النظام الدولي الجديد؛ أو نحو حتمية تحول مركز القوة العالمي إلى منطقة آسيا التي تضم القوتين الكبيرتين الصين والهند، بكتلتيهما البشرية وقوتيهما الاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة والمنافسة، مما يبشر بأن القرن الجديد سيكون قرناً صينياً أو قرناً أسيوياً بامتياز، خصوصاً بعد الإخفاق المريع الذي أصاب سياسات الهيمنة الأميركية ، وفشل حُلم القرن الأميركي ، الذي أعلن عنه بوضوح بعد الحرب الباردة.

من جهة ثانية، ذكرت رجب أن منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً العالم العربي، يعد من أهم مفاتيح التنافس بين القوى العظمى، لما فيه من مزايا ذات علاقة مباشرة بنهوض القوى والارتقاء في المنافسة فيما بينها للصعود إلى منزلة القوة الكبرى، فالمنطقة هي المستودع والمنتِج لأكبر معدل من الطاقة، من نفط وغاز طبيعي، في العالم؛ وتتميز بموقعها الجيوبولوتيكي ذو القيمة الجيواستراتيجية الأهم عالمياً، إضافة إلى محتوى هذه المنطقة المتميز بأدوار دولها وتياراتها الأيديولوجية الدينية في تحديد مسار القوى العظمى المتنافسة.

وتناولت رجب ما تتميز به دول الخليج العربي عموماً من المقومات الداخلية التي يمكن أن تجعلها لاعبا أساسيا، أكثر من أي وقت مضى، في إعادة بناء النظام الإقليمي العربي والنظام العالمي؛ من أهمها: صعود قيادات جديدة شابة، تحمل مبادئ الإصلاح السياسي والاقتصادي والمزيد من الانفتاح على الثقافات والسياسات الإقليمية والعالمية، مع تحقيق نوع من الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي، وذلك بفضل الاستثمار في البنيات التحتية المادية والبشرية، ممّا أدى إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطن الخليجي وبالتالي المزيد من الأمن والاستقرار، إلى جانب التعاون والتنسيق والتوافق حول القضايا العربية المصيرية من جهة، والدعم الاقتصادي والاستثماري من جهة أخرى، كما أن لها دورا رئيسيا في دعم القضية الفلسطينية.

وقالت رجب إن دول الخليج مشارك فاعل في النظام الدولي من خلال دورها في المساهمة في تحقيق السلم العالمي ونبذ النزاعات والحروب، في خضم صراعات مرحلة التحول إلى نظام عالمي جديد، إذ يجعلها موقعها الجيوستراتيجي المهم طرفا لا غنى عنه، سواء بالمساهمة في حل النزاعات والخلافات الدولية أو في تقريب وجهات النظر في بعض المسائل الجيوسياسية المعقدة، إلى جانب دروها في دعم وتمويل العمليات الإنسانية حول العالم.

وأشارت رجب إلى الأهمية الكبرى لدول الخليج كأكبر مصدّر للطاقة في العالم، والدور الذي يمكن أن تلعبه في تحقيق استقرار سوق الطاقة العالمي، معتبرة أن الضغوطات الكبيرة التي تُمارس على دول الخليج في مسألة الحرب الروسية – الأوكرانية ورهانات استخدام النفط والغاز كسلاح ضد أو مع أي طرف من الأطراف، أظهرت تماسك الموقف الخليجي باتجاه تعزيز السلم العالمي وتلبية حاجة الشعوب للطاقة، وحماية مصالحه القومية، وعملها ضمن رؤية واقعية على تنويع تحالفاتها الاستراتيجية مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الدولية على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي، واعتماد مبدأ نبذ الصراعات والحروب، وتوحيد الجهود نحو البناء والتنمية لمستقبل إنساني كريم، في ظل سياسات دولية خطيرة هي أشبه بـ”غابة جيوسياسية” (Geopolitics Jungle) جديدة في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً والعالم عموماً.

نجاعة في الأداء

من جانبه ، ذكر خميس الجهيناوي، مؤسس ورئيس المجلس التونسي للعلاقات الدولية ووزير الخارجية التونسي الأسبق، أن المنظومة العربية التي يمتد عمرها لأكثر من 70 سنة تظل محل متابعة من قبل الرأي العام والفاعلين السياسيين، إذ يعود ذلك لأسباب هيكلية مرتبطة بالمنظومة التي ظلت على حالها رغم الدعوات المتكررة لإعادة الهيكلة، في غياب منظومة أمنية تمكن من رصد ومتابعة بؤر التوتر في العالم العربي وإيجاد الحلول حتى لا تتحول لنزاعات مسلحة.

وقال الجهيناوي:”أولا، هناك 4 نزاعات كبرى تشق العالم العربي وكلها يقع معالجتها خارج النظام العربي، ثانيا، على مستوى بؤر التوتر وكيفية التفاعل معها، وثالثا، كيفية تنظيم الاجتماعات العربية التي بقيت سياسية لا تضع الأولويات، بوجود ضعف في متابعة قراراتها، رغم القرارات المهمة للقمة التي احتضنتها تونس سابقا والتي لم تقع متابعتها وبقيت على حالها”.

ولفت الجهيناوي إلى انفراد مجلس التعاون الخليجي بنجاعة في الأداء والتزام الأنظمة السياسية ورغبة وإصرار مختلف الدول على تعزيز التعاون، وهو ما يتجلى في الأزمة الأخيرة بين قطر وعدد من دول الخليج في 2017، والتي تمت معالجتها رغم الخلاف الحاد، ليواصل مجلس التعاون الخليجي عمله بثبات وحرص الدول الأعضاء على حضور الاجتماعات، حيث تفهموا الدرس الذي يفيد بعدم القدرة على مواجهة عالم مضطرب في إطار التفرقة بينهم.

وأضاف وزير الخارجية التونسي السابق :”دول الخليج لها مقومات وإمكانيات للقيام بدور يتجاوز المحيط الإقليمي العربي، في إشارة إلى عملها على مقاربة النزاع اليمني والمساهمة في رأب الصدع بين دول الخليج، لما لها من الموارد مما يساعدها على القيام بدورها لحلحلة وترميم النزاعات العربية”، مشيرا إلى تزايد اهتمام العالم بدول الخليج بعد الحرب الأوكرانية – الروسية، خاصة منها المنتجة للطاقة، وهي فرصة أن تقوم بدور أكبر على الساحة الدولية، علما أنه من نتائج الحرب هو تقليص دور الأمم المتحدة والمنظمات متعددة الأطراف، فمجلس الأمن الدولي اليوم غير قادر على اتخاذ قرارات لفض النزاعات جراء استعمال حق الفيتو الذي يؤثر حتما على عدم اتخاذ أي قرار.

من جهته ، قال فولكان بوزكير، رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة”الدورة 75″:”ما يحصل في العالم حاليا يؤدي حتما لنظام عالمي جديد، انطلاقا من رجتين تشملان وباء كورونا وما شمله من إرهاصات متعلقة بتوفير لقاحه المضاد والذي استفاد منه أساسا الدول المتقدمة بنسبة أكبر من نظيرتها من دول العالم الثالث، فضلا عن الحرب الأوكرانية- الروسية، وما أبانت عنه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من فشل ذريع في مواجهتها، لعدم قدرة منظمة الأمم المتحدة على التدخل بشكل فعال وجاد لمنع اندلاع الحرب، كما حصل في بقاع أخرى كأفغانستان وغيرها.

واعتبر بوزكير أن الحرب ليست فقط بين دولتين بل تنعكس سلبا على نمط العيش في دول أخرى، من خلال تأثيرها على الأمن الغذائي بالإضافة إلى مشاكل على مستوى الطاقة بالنسبة لدول الغرب، وأيضا على صعيد إقرار الأمن والاستقرار العالميين.

وشدد الدبلوماسي التركي على ضرورة تركيز دول الخليج العربي والشرق الأوسط على مسألة الأمن الطاقي والتعاون الأمني في مجال محاربة التطرف والإرهاب والقضايا الاستراتيجية، فاستقرار الخليج هو استقرار لشمال إفريقيا والشرق الأوسط والعالم.

وأفاد بوزكير بتأثير التحولات الراهنة على السياق العام للدولة بوجود مطالب ملحة للقيام بإصلاحات جوهرية، إذ أن المستقبل يعتمد على تكوين الشباب والتشغيل والأمن وتحسين البنيات التحتية، وهو ما من شأنه أن يضمن تحقيق الأمن المستقبلي لدول أخرى تعاني من أزمات حاليا كليبيا وسوريا واليمن.

التجربة اليابانية في التحديث

من جانبه، أقر محمد أعفيف، أستاذ التاريخ المعاصر والحديث بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن العالم العربي يتطلع لتحديث سريع محاولا البحث عن نماذج له، مستدلا بتجربة التحديث في اليابان وإمكانية تطبيقها في العالم العربي لتنمية سريعة.

وزاد مبينا:”في مطلع القرن العشرين تناقلت وكالات الأنباء انتصار اليابان على الإمبراطورية الروسية وكان الانتصار ساحقا ومهينا لهذه الدولة العظمى، فكيف يمكن أن تقوم دولة صغيرة من دول الشرق بالأمر؟، هو خبر كان له وقع خاص على العالم العربي، بحيث أحيا الأمل في النفوس التي رأت في اليابان نموذجا وقوة لدول الشرق التي كانت تعاني من طغيان قوى غربية تمارس هيمنة سياسية وعسكرية على مقدراتها وخيراتها”.

وقال أعفيف:”تطلع السياسيين العرب للديمقراطية المتمثلة في الدستور والأخذ بالتقنيات الغربية وهو ما نجده واضحا في مشروع الدستور الذي اقترح في عهد السلطان المغربي مولاي عبد الحفيظ سنة 1900، ما كان سيتيح لحكومة المغرب أن تبلغ ما بلغته اليابان، أخذا بعين الاعتبار العلوم الصناعية والوقتية الموافقة للأحكام الشرعية”.

وسجل أعفيف تعرف العرب واليابانيين، في القرن التاسع عشر، على أووربا في أقبح صورها ليتبين لهم غرب استعماري يروم غزو البلدان العربية ونهب ثوراتها، خاصة بعد احتلال الجزائر وغزو مصر، لتتمثل ردة الفعل الرسمية في إجراء إصلاحات منها إصلاحات محمد علي في مصر لتأسيس جيش على نمط نابليون في حين ظلت الإصلاحات التي أقدم عليها المغرب محدودة في القرن الثاني عشر بالرفع من مداخيل الجباية والتي كان مستقاة أو مقترحة من الغرب، ولعل الاستثناء الوحيد هوما قام به علي باي وخير الدين التونسي الذي كان مصدره تنظيمات عرفتها الدولة العثمانية.

وعزا أعفيف نجاح الإصلاحات في اليابان وفشلها في الدول العربية، إلى وجود تربة بيروقراطية تسمح بتوسع العمران وانتشار ثقافة في المسرح مع بنية تحتية ملائمة في اليابان، وكلها أمور كانت منعدمة في الدول العربية، قبل أن يغيب اسم اليابان في بدايات القرن العشرين لدخولها في حرب استعمارية، لتقف من الحضارة الغربية موقف التلميذ ويقف العرب موقف الزبون وهو ما استمر لحدود اليوم.

وتساءل أعفيف:”كيف يمكن الاستفادة من التجربة اليابانية؟ السؤال بسيط ويتجلى في التعليم والاستثمار في الإنسان، علما أن اليابان لا تمتلك ثروات معدنية ولا مصادر للطاقة بل ثروة بشرية صانعة للمعجزة، ما نعانيه في دولنا هو توسيع قاعدة الطبقة المتوسطة، اليابان وصلت تقريبا ل90 في المائة، وكانت تسعى لمجتمع بدون طبقات، بالإضافىة إلى توظيف التراث في خدمة التنمية والتحديث، والعمل الجماعي وثقافة الذنب والانسحاب لدى مسؤوليها ثم التشبث بالهوية الثقافية فجعل التنمية في خدمة الآلة العسكرية”.

التعاون المغربي- الخليجي

من جانبه، استعرض حسن أحبيض، رئيس جامعة القاضي عياض بمراكش، الروابط التاريخية العريقة التي تجمع بين المملكة المغربية ودول الخليج العربي، في إطار العلاقات الراسخة للتعاون المثمر والتقدير المتبادل، مشيدا بقرارات مجلس التعاون الخليجي التي تسير دوما باتجاه تعزيز الوحدة الخليجية وأن تعم روحه الإيجابية الشعوب العربية دون هدر الطاقات في قضايا وهمية، لا سيما أن ما يجمع العرب أكثر مما يفرقهم، بوجود رابط الأخوة والمصير المشترك.

وأكد أحبيض على ضرورة التكامل في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها الوطن العربي علما أنه لا يعني الانعزال على العالم بل حافزا لتعزيز التعاون والعمق الإفريقي والآسيوي للعالم العربي ومختلف التكتلات الجهوية والدولية، مسجلا العمل على استثمار التكامل العربي والتوجه نحو اقتصاد حقيقي يقوم على تشجيع الاستثمار في أفق إحداث سوق عربية مشتركة، من شأنها تفعيل التجمعات الجهوية كقاطرة حقيقية لترجمة طموح الشعوب العربية مع اعتماد مقاربة تشاركية.

وقال أحبيض إن التعاون العربي خيار استراتيجي وضرورة ملحة تمليها تحديات النظام العالمي الجديد، مؤكدا أن الملك محمد السادس كان من بين القيادات الأولى التي دعت لعقد قمة عربية متخصصة في المسائل الاقتصادية ولتفعيلها يتعين تبسيط عمليات استثمار المال العربي في الأرض العربية.

وسجل أحبيض سعي الدبلوماسية المغربية لتطوير العلاقات ودعم التعاون العربي المشترك، في سياق اتفاق التعاون الاستراتيجي إذا وقعه المغرب في الرياض سنة 2012، والذي يشمل التعاون الأمني والسياسي والعلمي، حيث شمله قرار التمديد سنة 2024.

وقال رئيس جامعة القاضي عياض بمراكش إن المغرب يفتح أمام الخليج بوابة سوق ضخمة يصل تعدادها لمليار مستهلك في اكثر من 60 بلدا فيما يترقب ارتفاع الاستثمار في المغرب من 5 مليارات دولار إلى 120 مليار دولا في السنوات المقبلة.

وبشأن التصور المغربي للعلاقة مع الخليج، أشار أحبيض الى خطاب الملك محمد السادس في القمة المغربية – الخليجية لسنة 2016 الذي اعتبر الشراكة ليس وليدة مصالح ظرفية وإنما تستمد قوتها من الإيمان بوحدة المصير، معتبرا أن العمل العربي لا يتم بالاجتماعات والقمم الشكلية والقرارات غير القابلة للتطبيق وإنما العمل الجاد وفي مقدمته تعزيز تجربة التعاون مع الخليج.

وقال أحبيض إن العلاقات المغربية- الخليجية المتحدية للعوائق الجغرافية قائمة على دعم خليجي ثابت للموقف من الصحراء المغربية ومؤازرة المغرب في مواجهة الأخطار والتهديدات المشتركة باحثة عن أفق جديد قد يلامس حدود الحلف العسكري المشترك، كعلاقات تحمل الكثير من العمق التاريخي بشكل يجعل من أطروحة التضامن التلقائي ضرورة في مواجهة الاضطرابات الإقليمية، وخير مثال على ذلك قضية الوحدة الترابية للمغرب، حيث كانت قضية للخليج أيضا، في إشارة لمشاركة وفود تمثل دول السعودية وقطر وسلطنة عمان والإمارات في المسيرة الخضراء.

واعتبر أحبيض أن التنسيق المشترك جزء لا يتجزأ من الشراكة، ذلك أن دول الخليج والمغرب تتقاسم المصالح وتواجه التحديات نفسها وبالتالي لا يمكن الاعتماد على الحلفاء الاستراتيجيين التقليديين مثل الاتحاد الأوروبي وأميركا بل المضي في تحالفات جديدة، ومن تم تبرز مكانة السعودية والخليج كشريك موثوق فيه في وقت اشتداد الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى