دعوات في”منتدى أصيلة” لإقرار سيادة طاقية في مواجهة الأزمات الدولية

الوزيرة بنعلي: المغرب يضع خبرته لفائدة الدول الإفريقية

تناول مسؤولون حكوميون وخبراء مغاربة، مساء أمس الثلاثاء، في الندوة الرابعة لمنتدى أصيلة، حول موضوع :”تأثير الطاقة على التوازنات السياسية والاقتصادية الدولية”، التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سياق دولي يتسم بمستجدات ومتغيرات ظرفية، تستوجب تسريع وتيرة الانتقال الطاقي لمواجهة التحديات المستقبلية لعدد من شعوب العالم.

صدمة طاقية

وقال محمد بن عيسى، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، إن النقاش الدائر يهدف إلى التفكير في مآلات ما بات يهدد السلم السياسي والاجتماعي ويمثل أخطر صدمة طاقية بعد سبعينات القرن الماضي.

وأضاف بن عيسى،:”إنه المستجد السياسي الذي ارتبط بأزمة أكثر خطورة والمرتبطة بشح مصادر المياه وبروز تحديات أخرى تشكل صدارة الأجندة الدولية ثم التزايد في الاهتمام بمصادر الطاقة باعتبارها الأفق المستقبلي للأمن الطاقي العالمي”.

واعتبر بن عيسى أن الندوة تسعى للوقوف على تداعيات الأزمة العالمية في اتصالها بالصراع الدولي حول الطاقة وإعمال النظر فيما تفرزه التحديات الطاقية، مع إيضاح دور التغير المناخي في مضاعفة الجهود لإيجاد موارد طاقية نظيفة بديلة ورصد آثارها على سياسة الطاقة عبر العالم.

من جهته، تساءل محمد أبو حمور، أمين عام منتدى الفكر العربي بالأردن،:”هل سبقت أزمة الطاقة الاقتصاد أم أن الاقتصاد سبق السياسة وهل الأزمة الحالية ستشعل فتيل الربيع الأوروبي أم انها تمثل نهاية صراعات في العالم؟ وهل سيكون هناك بعض التخلي في ظل عدم ارتياح لدى الدول الأوروبية بشأن العرض الذي تقدمه حول الطاقة؟ ومن يكسب ويخسر أخيرا؟ أم أنها لعبة غير صحية وقد يخسر العالم كله ولا يكون هناك رابح؟ وهل الأمر سيستمر لما لا نهاية وهل لدينا التحليلات الكافية لتقييمه؟

وأعرب أبو حمور عن أسفه لما يقع حاليا في سياق أزمة مشتدة بعدما تنفس العالم الصعداء عقب تأثيرات الربيع العربي وجائحة كورونا، ليبدأ الاقتصاد في التعافي تدريجيا، وإذا بالعالم يقع في حرب مستعرة، متسائلا عن إمكانية إنشاء أقطاب كبيرة ستظهر بوجود الصين والهند اللتان تمثلان نصف سكان العالم.

وقال أبو حمور:”إذا نظرنا للوضع الاقتصادي العالمي وتراجع معدلات النمو الاقتصادي بوجود أزمة مديونية جديدة بحوالي 4 مليار مستحقة، فكيف سنواجه البطالة الكبيرة في العالم العربي علما أنها تمثل 3 أضعاف البطالة العالمية؟ وكيف سنؤمن الاستثمار بوجود عدم استقرار في بعض الدول وارتفاع أسعار الفائدة وتأثيرها على القطاعات الاقتصادية؟” وهل مستوى المعيشة سيتحسن ومن المستفيد من كل المعادلة؟ هي إذن كثير من القضايا إذا ما تحدثنا عن الطاقة، سيصبح من الضروري الحديث عن أزمة الغذاء والدواء، خاصة أن الطلب العالمي على الطاقة يدل على وجود أزمة بوجود لاعبين في الاتجاه قد يكونون واضحين، ليظل التساؤل مطروحا حول امتدادات كل تلك التقاطعات على المنطقة العربية بتسجيل ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط”.

اكتساب المرونة واستعادة الثقة

من جانبها، قالت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة،:”إننا نعيش فترة لم يسبق لها مثيل، إذ خرج العالم من سنتين من الأزمة الوبائية والتضخم المتزايد وضيق السياسات النقدية، وتسجيل الدولار لأقوى ارتفاع له منذ جيل.

وأضافت بنعلي:”بالنسبة للبعض، فإن سنة 2022 تشبه حرب أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي، التي فقدت فيها اليابان وألمانيا القدرة التنافسية أمام الولايات المتحدة، في حين يتعلق الأمر اليوم بالغاز الروسي وليس النفط العربي، وبالمقابل، فإن سنة 2022 كانت سببا لإعادة التفكير في اكتساب المرونة واستعادة الثقة”.

واعتبرت بنعلي أنه حينما توقف تدفق الغاز في الأول من نوفمبر 2021 على خط أنابيب المغرب العربي، اقتصر الخطر على أمن النظام الكهربائي، لكنها كانت فرصة ذهبية لبدء بعض إصلاحات طال انتظارها، وتتمثل أساسا في الحكامة والتمويل والاستثمارات.

وشددت الوزيرة على أن الحل الأمثل في ظل الأزمة الطاقية وما يرتبط بها من مشاكل مالية واقتصادية واجتماعية يهم تحقيق السيادة الطاقية، عبر انتقال طاقي محكم يضمن الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة ولو على مدى متوسط وبعيد و يتكيف مع التغيير المناخي الذي أصبح واقعا وحقيقة يهم العالم و يتجاوب مع انتظارات المجتمع .

واستعرضت بنعلي 4 خطوات لضمان انتقالي طاقي سلس وفعال في البلاد، من خلال الحفاظ على القدرة التنافسية والعمل على تطوير البنية التحتية الحالية وبناء الثقة في كل خطوة على الطريق واتباع منهجية الشريك المستدام الموثوق به.

وأفادت المسؤولة الحكومية أن أمن الطاقة يسير جنبًا إلى جنب مع التعاون الإقليمي، وهو ركيزة أساسية لاستراتيجية الطاقة مع الحفاظ على مسار التنمية المستدامة، في سياق بيئة مضطربة على المستوى العالمي، لكن الأمر لا يمنع من بناء شراكات مع جهات فاعلة ومؤسسات مالية دولية لتحريك قاطرة التنمية الطاقية، باعتماد نظرة مستقبلية مستقرة ومدروسة.

وتناولت بنعلي الإصلاحات الهيكلية الجارية التي ينبغي أن تؤدي إلى نمو اقتصادي أكثر شمولاً مع التخفيف من عجز الميزانية العامة تدريجيا، حيث من المتوقع أن يرتفع متوسط ​​التضخم العام إلى حوالي 5.9٪ في عام 2022 ، كما سيصل عجز الميزانية إلى حوالي 5.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

واعتبرت بنعلي أن اعتماد المملكة على الطاقة يمثل 15 في المائة من إجمالي الواردات، ولكن الانتعاش في القطاعات الرئيسية مثل السياحة والفوسفات، يمكن أن يخفف من التأثير الحاصل، عن طريق الحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية لتغطية التكلفة المتزايدة للسلع الغذائية والطاقة وإبقاء العجز التجاري تحت السيطرة، مشيرة إلى قيام الحكومة بإصلاحات هيكلية شاملة لنظام الضمان الاجتماعي من أجل توسيع تغطية الرعاية الصحية ومواكبة ودعم الشركات والمقاولات العمومية لجعلها أكثر كفاءة.

وقالت بنعلي:”دورنا كسياسيين وكقادة هو العمل على استعادة الثقة مع الشركاء المتشابهين لنا في التفكير في أفق تحقيق التنمية وتوفير الحقوق الأساسية لشعبنا من أجل كرامته، مع الاستثمار في الطاقات البديلة”.

وتساءلت بنعلي:”خلال القرن العشرين، شهدنا حربين عالميتين وجائحتين وثلاث صدمات طاقة على الأقل. فلماذا يجب أن يكون القرن الحادي والعشرون أقل اضطرابًا؟”. بعد مؤتمرات الأطراف في مراكش وباريس وغلاسكو ، قد يُذكر عام 2022 باعتباره العام الذي فضّل فيه المستهلكون وصانعو السياسات الأمن قصير الأجل على الاستدامة، لكن لا يوجد شيء قصير المدى فيما يتعلق بالسياسة، مع العلم أن التحول الطاقي يستغرق وقتًا، وربما 250 تريليون دولار من الاستثمارات على مدى 30 عامًا”، داعية السياسيين والقطاع الخاص والمستثمرين والأكاديميين والمجتمع المدني والنشطاء إلى بناء المرونة واستعادة الثقة، خاصة أن الوقت الحالي يعد غير مناسب للتماطل والتأخر جراء الاضطرابات الدولية والأزمات الحالية ومشاكل المناخ والتنوع البيولوجي.

وشددت بنعلي على أن المغرب يضع كل خبراته وتجربته وإمكانياته رهن إشارة القارة الإفريقية التي تعاني من تغيير منظومة الطاقة في العالم و تأثيرات التغير المناخي، على الرغم من قدرتها على تحقيق الانتقال الطاقي بشكل عملي شرط توحيد جهودها والاستفادة من التجارب الناجحة في المجال واستغلال مؤهلاتها وغناها الطبيعي والبشري بالشكل المناسب.

الانتقال الطاقي

بدورها، سجلت أمينة بنخضرا، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن ووزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة سابقا، حضور الانتقال الطاقي في قلب تنمية كل الدول كرهان جيو استراتيجي يمتد في علاقته بالأزمات التي عرفها العالم أخيرا والتي أثرت على ارتفاع الطلب على المواد الأساسية وخلفت مشكلا على مستوى الأمن الغذائي، بالإضافة إلى مخلفات أزمة اقتصادية بنتائج متغيرة على الدول المنتجة والمصدرة، ليظل التساؤل مركزا حول كيفية تحقيق الانتقال الطاقي في سياق الحرب الدائرة بين عدد من الأقطاب الكبرى.

واعتبرت بنخضرا أن الغاز يظل عنصرا مهما باعتباره العمود الفقري للانتقال الطاقي، لافتة إلى العمل على بدائل طاقية تشمل طاقات نظيفة بديلة باستثمارات ضخمة.

وأفادت بنخضرا بضرورة التزام كل من الشرق الأوسط وإفريقيا في المساهمة في الإنتاج الكهربائي ببلورة الطاقات المتجددة لفائدة 60 مليون من سكان إفريقيا جنوب الصحراء، علما أن القارة تمتلك موارد طبيعية مهمة، فضلا عن الرغبة في استثمارها، بتضافر الجهود الدولية من خلال إبرام شراكات واتفاقيات باستثمارات كبيرة.

وأكدت بنخضرا التزام المغرب بفضل قيادة الملك محمد السادس، منذ سنة 2009، على نهج خطوات مهمة لتحقيق السيادة الطاقية، انطلاقا من تسريع وتيرة تنزيل مخططاته في مواجهة تحديات الطاقة والتغير المناخي والسعي لضمان تنمية مستدامة، مشيرة إلى مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجري الذي سيكون العمود الفقري للتطور الاجتماعي والاقتصادي للقارة الإفريقية، مما سيمكن من تنميتها وبلورة شراكات مع دول إفريقية وأخرى على مستوى العالم.

واعتبرت الوزيرة السابقة أن التضامن والتعاون الدولي يعد عاملا أساسيا للخروج من الأزمة الحالية التي تبدو أكثر حدة من سابقاتها.

وأوضحت بنخضرا أن النفط والغاز من أكثر التحديات المطروحة على العالم، مسجلة ضرورة جعل إشكالية الطاقة في صلب الاهتمام الجيو سياسي، علما أن اندلاع عدد من الحروب في العالم كان بسبب الغاز.

وشددت بنخضرا على فهم عدد من الدول للتحديات المطروحة في المجال وبالتالي التسريع في اتباع حلول بديلة، في إشارة إلى بناء أميركا لمحطات خاصة بالغاز المسال مما سيمكنها من تجاوز الغاز الروسي.

وأشادت بنخضرا بالمقاربة التي اعتمدها المغرب في مجال الانتقال الطاقي، حيث إنه على الرغم من تأثره بالسياق الدولي، إلا أنه صمد في وجه كل الأزمات، مقارنة بدول أخرى، مما يشكل مبعث فخر.

وقال الخبير البريطاني، هومايون موغال، إن العالم يتأقلم سريعا مع الأزمة الطاقية وما تطرحه من إشكالات، داعيا إلى تعاون دولي في المجال، إذ أن تداعيات الأزمة الطاقية سيتضرر منها الكل بدون استثناء.

واعتبر الخبير البريطاني أن دول العالم لها من الإمكانات ما يؤهلها لتحقيق توازن طاقي شرط التعاون والتآزر والتضامن الجماعي.

وأعرب موغال عن تفاؤله بتجاوز الأزمة الراهنة والتي من غير المستبعد أن تزداد حدتها إن لم يبادر العالم بأسره لإقرار خطة مشتركة لتخطي مختلف التحديات المطروحة على الساحة الإقليمية والدولية، والتي سيكون فيها العالم بأسره خاسرا في حال تجاهلها والتهاون في مواجهتها.

واعتبر موغال أن المملكة المغربية لديها مقومات كبرى لتحسين تنافسيتها في المجال الطاقي، كما أنها من المكن أن تلعب دورا أساسيا تصدير إذا تم العمل وفق هدا الهدف في أقرب وقت ممكن.

تقليص الهشاشة

من جهته، طالب حكيم بنحمودة، اقتصادي ومؤلف ووزير الاقتصاد والمالية الأسبق في تونس والمستشار الخاص السابق لرئيس البنك الإفريقي للتنمية، بإعادة بناء سياسة طاقية طموحة لمواجهة الاضطراب العالمي والتقليص منه، مع العمل وفق 3 نقاط رئيسية تهم دراسة الوضعية الحالية ومرتكزاتها ومدى تأثيرها على دول المنطقة بالإضافة إلى مواجهة مصادر الهشاشة.

وقال بنحمودة:”هناك جامعيون ومثقفون يقولون إننا نعيش في أزمة ستؤدي بنا لإعادة بناء نظام عالمي متغير وجديد بعد ما عشناه مع بداية العولمة في تسعينات القرن الماضي، والتي شكلت مصدر انفتاحنا على العالم”.

وأضاف الاقتصادي التونسي:”هو عالم مختلف مكن من مشروع لم يتصوره أحد حتى صناع الخيال العالمي، بدأ من منتصف 2002 بالأزمة المالية ثم الأزمة المناخية وتعالي الأصوات حول مشكل عدم المساواة الاجتماعية وما رافقه من أحداث الربيع العربي، لتليه جائحتي سارس كوف وكورونا اللتان أبانتا عن هشاشة أنظمتنا الصحية والاجتماعية ثم الأزمة الأوكرانية الحالية ومشاكل بين الصين وأميركا حول تايوان، ليتبين أننا في قلب عدم توازن عالمي بأزماته الاقتصادية والصحية العديدة”.

وحول كيفية  التقليل من الآثار السلبية لمختلف الأزمات على دول المنطقة، أشار بنحمودة إلى تقليص الهشاشة السياسية عن طريق بناء التحالفات وخفض الضغوط  في سياق نظام ديمقراطي، فضلا عن الهشاشة المالية، والتي تعيشها كل الدول العربية التي تستورد البترول، بما تعيشه من صعوبات داخلية وأخرى ارتبطت بالجائحة، ارتباطا بالسياسات المالية العامة وأيضا الهشاشة الاقتصادية وكيفية بناء وإعادة هيكلة القطاع الصناعي والفلاحي، ثم الهشاشة الاجتماعية، التي خلفت في تونس مثلا، عددا كبيرا من المهاجرين السريين منهم من وصل لإيطاليا وآخرون جرى توقيفهم من طرف السلطات الأمنية التونسية.

ودعا بنحمودة لإقرار سياسات منفتحة بما فيها الطاقية، من خلال تسريع وتيرة الانتقال الطاقي من أجل منح الأمل للشباب، معتبرا أن التعاون الإفريقي يظل حلا فعالا من الناحية الاقتصادية، علما أن الجهات الأكثر تعاونا هي التي ستضمن صمودها في وجه الأزمات والتحديات والتقليص من حدة الضغوطات التي تعيشها خاصة في الدول غير النفطية كمصر وتونس ولبنان والأردن وغيرها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى