“خيمة الإبداع” في منتدى أصيلة تكرم الكاتب والمفكر عبد السلام بنعبد العالي

الأشعري: عمل مقاوما للبلاهة التي أصبحت الأكثر تداولا في السياسة والإعلام

أشاد عدد من الباحثين والأكاديميين والمفكرين بالمسار المتميز للكاتب والمفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي، خلال مشاركتهم الجمعة في ندوة تكريمية له في اطار “خيمة الابداع”،ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي ال43.

أيقونة مغربية

وقال محمد بن عيسى، أمين عام منتدى أصيلة:”هذا التكريم يهم أحد أعلام الفكر الفلسفي المغربي المعاصر، لنؤكد وفاءنا لما أدرجنا عليه طيلة سنوات، حين قررنا إقامة خيمة الإبداع، ولنجعل منها مناسبة لتكريم شخصيات مغربية وعربية ذات الفضل والعطاء من مفكرين وكتاب مبدعين، مما يتيح لنا فرصة استحضار الإسهامات القيمة للشخصيات المحتفى بها”.

وزاد مبينا:”اخترنا الاحتفاء بأيقونة مغربية لمعت في المجال الفكري والفلسفي من خلال الباحث الأكاديمي عبد السلام بنعبد العالي، لما يجسده من تجربة طويلة ومنتجة في حقل البحث والترجمة والتأليف الفلسفي، وتقديرا لمكانته بوصفه مفكرا طلائعيا ساهم في التجديد الفكري وتمكين قراء اللغة العربية من الاطلاع المستمر على أمهات النصوص في الفكر الفلسفي الغربي المعاصر”.

وأضاف بن عيسى:”بنعبد العالي أسهم في إنتاج يعكس معارفه الواسعة وقدراته التحليلية وتمكنه من تقنيات الكتابة الفلسفية ومنهجية الظواهر والموضوعات التي يتناولها بالدرس والتحليل، وهو ما حقق لأعماله مساحات شاسعة من التداول والانتشار مغربيا وعربيا، فضلا عما بذله طيلة نصف قرن من جهود علمية في خدمة البحث الفلسفي في المغرب وخارجه تدريسا وتأليفا وترجمة”.

بدوره، أفاد عبد الإله التهاني، كاتب وإعلامي ومدير سابق للاتصال والعلاقات العامة بوزارة الاتصال بالرباط ، بدور المحتفى به في تأصيل الدرس الفلسفي وإشاعة الفكر الفلسفي خارج الجامعة وعمله الدؤوب مع زملائه لجعل الفلسفة مكونا أساسيا من الفكر الثقافي المغربي، بأعمال خصصها للفلسفة الإسلامية وترجمات،حيث نقل للعربية نصوصا مبهرة مساهما في تحديث الثقافة المغربية وتلقيحها بجرعات من ثمرات الفكر الإنساني وتأكيدا على ضرورة الانفتاح على تراث ومعارف الآخر.

خلفية نقدية صارمة

واعتبر التهاني أن كل ما أنتجه عبد السلام بنعبد العالي نجح في تمثل الرصيد التاريخي للمعرفة الإنسانية ،وأن يتعامل معها بخلفية نقدية صارمة، إلى جانب التصرف في الرصيد الزاخر من الفلسفة برشاقة لغوية والتنقل بين النظريات والأنساق المعرفية، من زاوية نقدها والرد عليها، كما يحسب له ترويض الفلسفة حين أنزلها من التحليل النظري ليجعل منها أداة لتحليل الواقع الحي والتأمل في تعقيدات الحياة المعاصرة.

وذكر التهاني أن بنعبد العالي قام بتحليل الاختلالات والظواهر ونجح في تلقيح الوعي الثقافي بالزاد الفلسفي الذي يسعف الناس في تعميق النظر ليستحق أن يكرم في موسم أصيلة، وأن يقترن تكريمه بإصدار كتاب عنه كفرصة لإعادة تأمل أعماله.

من جهته، شدد كمال عبد اللطيف، باحث أكاديمي ومفكر وأستاذ الفكر العربي المعاصر، على أن عشق بنعبد العالي للآداب والموسيقى وصحبته لأعمال نيتشه وعبد الفتاح كيليطو منحت قدراته في الكتابة ما ساهم في تحويل نصوصه إلى أشكال من الإيقاع ليصبح جزءا من الصمت الناعم، إذ تعكس خياراته في البحث والكتابة والترجمة جوانب من إيمانه بالأدوار المنتظرة اليوم من الفلسفة، وخاصة حينما توظف لمحاصرة أنماط الفكر المحافظ السائد في الثقافة العربية، والذي أصبح يمتلك سطوة كبيرة بفعل الفضاءات الزرقاء.

وسجل عبد اللطيف ضرورة أن تنخرط الفلسفة في مخاصمة ما تقذف به وسائل الاتصال الجديدة، لتندرج العناية التي أولاها بنعبد العالي في أعماله الأخيرة بنقد البلاهة الذي اختاره، حيث لا يهدف لبناء موقف نظري بعينه بل خلخلة مقدمات كثير من أوجه القطع واليقين في الثقافة العربية، بالإضافة إلى كونه عابرا للتخصصات غير مقتنع بالحدود بين المعارف، ينتقل إلى التصوف ونقد التشكيل والرواية والموسيقى، معني بالصور والعلامات والرموز من خلال “الوشم والزرابي وغيرها”، كمواكب لتحولات الدرس الفلسفي المعاصر الذي تسكنه هواجس الإبداع.

وقال عبد اللطيف:”بنعبد العالي ترجم نصوصا عديدة من الفلسفة المعاصرة التي كانت تسعفه في الانخراط في مواجهة إشكالات الفكر المعاصر. لم يتوقف طيلة مساره منذ السبعينيات عن الكتابة والترجمة صباحا ومساء بل أضاف لها التفكير في بعض أبعادها، والتقارب والتباعد بين الكلمات والأزمنة، حيث تعلم قابلية النصوص في تاريخ الأفكار للترجمات المتواصلة. فهو يتابع مساره في دروب ملتوية، أنجز أطروحاته الجامعية ويواصل إغناء رصيده الفكري بمنجزات الفكر المعاصر، كما أن تمارين الترجمة منحته مزايا عديدة، وجعلته يختار مفرداته ويفكر في الترجمة كبوق للإبداع”.

ولفت عبد اللطيف إلى كون بنعبد العالي رسم لنفسه خطوطا معينة في الاقتراب من القضايا والموضوعات، يشتغل داخل مختبر الكتابة، والألوان والأصوات والكلمات، باستئناسه بفكر فلسفي متجدد، زاده أيضا معرفته بصعوبة الدروب التي اختار أن يسلكها ثم الموسيقى الكلاسيكية، ويوجه عناية خاصة للإيحاءات التي تحملها النصوص وهو مفتون بالكلمات وإيقاعاتها.

وأضاف الأكاديمي:”هو يكتفي بالتلميح والإشارة، يتموقع نظريا في دائرة محددة لا ينتظر موقعا بعينه لا يحرر بيانا سياسيا فهي طرائق ترتبط بمجالات أخرى في النظر والكتابة، لا يجد حرجا في الاقتراب المؤقت من مزايا العدمية ومآثرها والتغني بها في الفكر والحياة، يحفز على تمارين جديدة في الكتابة، لا يكتب الملاحم والمقدمات والخواتم بل يكتفي بتوقيع القصائد بالإيقاعات، غامر بنقل الدرس الفلسفي من التأمل لفضاءات اليومي، يواجه مختلف الخطابات بكثير من الضجيج والبلاغة. هو أيضا يتابع ديناميات التحول في نصوص الفلسفة المعاصرة، ويواصل لقاءاته برموز الفكر المعاصر فيزداد شغفا بمزايا النصوص المفتوحة، يرافقه شغف بمزايا الكتابة الإبداعية التي لا حدود لها، تخلص من منطق الماضي والحاضر، الأنا والآخر، الهوية والغيرية، أصبح همه المكتوب في وحدته وتعدده وتناقضاته. غايته من الكتابة تتمثل في مسعاه العام والذي تحول لعادة جميلة حيث الآراء مسكن الفن وإيقاع النصوص التي تكتب وتعاد كتباتها باستمرار”.

تحدي الخروج من المبتذل

من جانبه، ذكر محمد الأشعري، شاعر وروائي ووزير سابق للثقافة، قدرة المحتفى به على إدخال المتلقي لمطبخ الفلاسفة الكبار ممن أهدوا للقرن العشرين ملامح وأجنحة، بتواضع، لمعرفة كيف يفكر، وهي مقاربة تجعل القارئ يخرج من نصوصه أكثر ذكاء، بجانب أساسي في مساره يتعلق بتجربته الأكاديمية ومؤلفاته وترجماته التي تتسم بالجدة والانفتاح على العالم، المثير للدهشة، ليختار أن يخوض بالفلسفة غمار الحياة اليومية عن طريق الصحافة، بمواجهتها مع قضايا المعيش في تجلياته السياسية، باستعمال التبسيط بمفهومه الديداكتيكي ويتوسل بالإيحاء والسخرية واللقطة السريعة.

وقال الاشعري:”ملمح أساسي في نصوصه المتماسكة والمتشظية تقترح علينا تفكيرا بواسطة متعة الكتابة، وإعمال الذهن دون امتحان قاس لقدرته على التفاعل ولاستيعاب، فهو يطالبنا بالاستمتاع بالمغامرة الفلسفية، ويشركنا في تحدي الخروج من المبتذل واعتبار حياتنا العادية منجما لتفكير شيق. ممارسة الفكر بشدة وليس بمجرد إعمال الفكر، تجاور في تفلسف شيق، يرتبط بالقضايا التي تشغله، لا ينفك يعود لأسئلة: بأي لغة نكتب ؟وهل هي في صلب الكتابة أم مستقلة عنها ؟وهل هي قادرة على أن تكتب وحدها وتجعل من الكاتب مجرد يد ثانية؟ وهل يختار المرء اللغة التي يكتب بها؟ وهل هناك لغة مضمرة باختيارنا أم رغما عنا؟”.

واعتبر الأشعري أن تشكل الكتابة في الخفاء والتجلي يجعل الكاتب نفسه مدعوا للاختفاء تحت طبقات النص والتخلي عن تضخم الظهور للمؤلف في العالم المعاصر، فبعد انفجار الشارع العربي، تساءلت أصوات عن مكانة المثقف واتهمه البعض بالتخاذل والركون للصمت، كدليل على انهيار نموذجه المرجعي، ليكون بنعبد العالي من القلائل الذين تنبهوا للأمر حيث لم يعد المثقف نبي ثروات، عن طريق الانتقال من دور المحرك للتاريخ إلى المعلق، فقليلون من استمروا في تحريك الأسئلة معتبرين أن الزمن الثقافي لا علاقة له بالزمن الكرونولوجي.

وأوضح الأشعري أن بنعبد العالي عمل في إطار مقاومة البلاهة التي أصبحت البضاعة الأكثر تداولا في السياسة والإعلام وأساليب الحكم وأنظمة التربية والتكوين، مما يجعل الفرد عاجزا حتى عن التفكير في المقاومة، وبناء صرح فكري دون التردد في خلخلة أفكارنا بعلاقتها بالأحداث.

ممارس للضيافة اللغوية

وأفاد المعطي قبال، باحث في الفكر الفلسفي والدراسات السوسيولوجية، أن بنعبد العالي يمثل معلمة فكرية لعبت دورا رياديا في حقل الفكر الفلسفي سواء في المغرب أو المشرق، وأيضا التربية الثقافية والفكرية، في مناخ متشنج، اتسم بالحكم على الفلسفة بنظرة دونية كعبث، وظهور حملات التنكر التي أطلقتها السلطة والإسلاميين فيما بعد واتهام الفلسفة على أنها مادة تحريض تشجع على الإلحاد والعبث والضر بالشخصية الإسلامية، في سياق خطاب يشمل خطة إيديولوجية للمد الراديكالي وليدة الإسلام السياسي لحقبة الثمانينات والتسعينات.

وأضاف قبال:”أرى فيه الترجمان والوسيط الفكري الذي قربنا من الآخر النقدي، بظهور نصوص في إطار الفكر البنيوي والماركسي لأسماء تنتقد المركزية الذاتية للغرب، بتقريبه تأويلا وترجمة لنصوص فكرية وأدبية أساسية، فبفضله دخلت للثقافة المغربية والعربية أسماء من قبيل ميشال فوكو ورولان بارت ووالتر بنيامين وموغيس بلونشو وغيرهم، فضلا عن انبثاق مفاهيم جديدة، لنبدأ التحدث بلغة عربية أخرى، وهي مفاهيم وافدة من البنيوية والفلسفة التحليلية وفلسفة التفكيك والاختلاف”.

وزاد مبينا:”أستاذنا مارس “الضيافة اللغوية” من خلال الترجمة، ليحتفي بطريقته الخاصة باللغة بترجمته لعدد من النصوص، علما أنه خلال حقبة السبعينات، كان تدريس الفلسفة في قسم الآداب بالجامعة المغربية مسرحا لتجاذب فكري نشطه كل من محمد العروي وفاطمة المرنيسي ومحمد جسوس ومحمد سبيلا وسالم يفوت ومحمد عابد الجابري، وأيضا عبد السلام بنعبد العالي، هذا الأخير الذي يعد المترجم الحقيقي الذي تتماهى حياته مع فعل الترجمة، كرس قسما من جهد الفكري للترجمة، إذ لا يتعلق الأمر بنقل النصوص من لغة لأخرى بل يخص انخراط المترجم في المقول واللاوعي الذي يسكن اللغة لفتح دلالاتها الخفية والإمساك بالمعنى الباطني”.

وسجل قبال أن ترجمات بنعبد العالي جددت اللغة العربية ومعجمها المفاهيمي واللغوي، كما أنه ساهم في إحداث القطيعة مع لغة اللاهوت والأخشاب والميتافيزيقا، باعتماد ثالوث “القراءة الكتابة الترجمة” في سياق ممارسات تخلص إلى كتاب أو نص مترجم.

من جانبه، أشار عز الدين العلام، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى دفاع بنعبد العالي عن الحق في الخطأ ومناقشاته لعدد من القضايا التي يطرحها مجتمع الفرجة من بلاهة وهشاشة وخبراء في لاشيء، بترجمات ممتازة والواقع هو أنه لم يكن في مجمل نصوصه شارحا للفلسفة بقدر ما كان ممارسا لها جاعلا منها أداة للحوار وفنا للعيش، معتبرا أن الاحتفاء به هو ضمنيا احتفاء بالمفكر الفذ عبد الفتاح كيليطو.

طواحين الحداثة

وقال محمد المصباحي، كاتب وباحثي في الفكر الفلسفي، إن بنعبد العالي بدد الفلسفة من أجل أن يبعث فيها روحا جديدة تليق بالجمهور، متسائلا:”مفارقات كتاباته الفلسفية، وضعتني في موقف محرج، هل يتم تناول مساره دون نقد أو اعتماد شيء من النقد أم علي أن أكتب كتابة فلسفية عن أعمال لا يتوقف بنعبد العالي عن التهكم عليها والسخرية من الميتافيزيقا أم علي أن أتغاظى عن نقده للفلسفة واعتباره عربون محبة بطريقة ما بعد حداثية؟”.

واعتبر المصباحي أن بنعبد العالي أعلن حربا على طواحين الحداثة انطلاقا من أسس وجودية وفوكاوية، فخصائص كتابته تركز على الانفصال وما يترتب عنه من فوضى وتبديد، حيث تبدو أعماله كبناء عشوائي فوق أرض فلسفية لا ملك لها، بناء لا يخضع لهندسة وضوابط عمرانية، فكره تعدد واختلاف وتعثر وفوضى وأن لا علاقة له بالاتصال ولواحقه كالوحدة والانسجام، بالإضافة إلى طغيان الاقتباسات التي تتوالى في المقال الواحد بوتيرة كثيفة لا تتوقف وهو ما يرفعها لمرتبة الاستراتيجية التي خطط لها عن وعي وسبق إصرار.

وشبه المصباحي بنعبد العالي بأحد قراصنة سلا الذين يغيرون على نصوص ليس من أجل السلب ولكن لتوزيع خيرات غاراتهم من النصوص والأفكار على قرائهم بأريحية على شكل اقتباسات وشواهد، فهو يتكلم عن مشروعية خلق نوع من التماهي مع المفكرين لكن بخلق المسافات وبالتالي لا يستطيع التفكير إلا في الدوامة، يفضل الفلسفة المصغرة التي تكتفي بالأقوال الصغيرة المبعثرة بمعانيها الخاطفة، وبطاقة تأثيرها المباشر على القارئ، واصفا كتاباته ب”باتشوورك” أو “خرقة المتصوفة”، بجماليتها التي لا تعود لتناسق أشكالها الهندسية وإنما لتبيانها وفوضويتها، فكتاباته لا تخضع لنظام ولا تجانس ولا تخفي عمقا منفصلا عن السطح لأنها سطحها هو عمقها.

وشدد المصباحي على إمكانية الحديث عن الفلسفة بمعناها الصلب متسائلا عن متطلبات العصر حيالها وهل يمكن الاعتماد على فلسفة خفيفة.

وأضاف المصباحي:”لقد نجح أستاذنا بإخراجها من أزقتها الأكاديمية الضيقة بعد ما حررها من عوائقها الذاتية وأكسبها الشفافية والمقبولية، عمل على تطويعها على مستوى اللغة والأسلوب، حقق نهاية الفيلسوف باستبداله المفكر الإعلامي والصحفي الذي صار الوجه الجديد للمفكر إيمانا منه أن الفكر الفلسفي الجديد ينمو بالإعلام. كما عبر عن تخوفه من أي مآلات تراجيدية للفكر العقلاني في ثقافتنا العربية في مقابل احتكار القوى الظلامية”.

ولفت بوعزة بنعاشر، كاتب وباحث في الفكر الفلسفي ، إلى رؤية بنعبد العالي في إطار مسلسل يهدم النظريات المسلم بها من أجل إعادة بنائها، باعتماد خطاب تحليلي، وتجدد على مستوى المفاهيم والسياسة الفكرية.

وأشاد بنعاشر بمساهمته في تطوير الفكر بالمغرب وإفريقيا في شموليتهما، حيث يربط الثقافة في إطار فكر ويقرأ بين السطور ما بين لغتين أو أكثر، إلى جانب عمله على إنتاج الفضاءات الحديثة وخرائط جديدة لإعادة إلهام العالم وإشعاع الفلسفة.

وأضاف بنعاشر:”هو يخترع منطقة مغاربية جديدة، حيث لا يمكن التفكير دون استحضار الآخر، يمثل احتفاء بتوليفات تعددية، بتوظيف خطاب متعدد يكسر الحلقات المفرغة، ليعتمد مقولة خاصة به وهي:”أنا أفكر إذن نحن موجودون”، في دعوة صريحة لنبذ التفرقة والحساسيات ودعم الانفتاح”.

الابن الشرعي للبحث الفلسفي

واعتبر الحسن العسيلي، كاتب وإعلامي ومترجم، أن بنعبد العالي يمثل الابن شرعي للمسار الذي أخذه البحث الفلسفي تلازما بين التحرير من التخلف التاريخي وطموح هيكلة البنى الناظمة لصناعة الفرد المغربي الجديد.

وقال العسيلي:”التقاطع بين العام المغربي والمحلي الخاص لمدينة سلا شحذ شخصيته ضمن جيل طامح للتحرير سلوكيا وفكريا، اختار دراسة الفلسفة، محاولة معرفة ما الذي صنعه كأثر وأي مكانة لمدينة عريقة كسلا في ذلك؟ وأي دور للقدر الذي قاده لخوض غمار الفلسفة؟ أسئلة شكلت ليس مجرد بنية بل شملت أسئلة في جيل العشرينات والثلاثينات والأربعينات ترتبط بقلق الهوية، ابتدأت غربية بلسان فرنسي قبل أن تتشكل بلسان عربي، ليطرح حينها سؤال علاقتنا بالتراث،وتراكم تبلورها قبل أن يبدأ في البروز جيل من المشتغلين في الفكر والفلسفة المغاربة، ثم ولادة جيل آخر من الدارسين والمفكرين بما يتوافق ومشروع سياسي ومجتمعي وحضاري أكبر يسعى لتجاوز الواقع المتخلف للفرد”.

وأوضح العسيلي أن بنعبد العالي يعد واحدا من الجيل الثالث من مفكري الدرس الفلسفي بالمغرب فضلا عن تأسيسه لشكل جديد لمغامرة الترجمة باكتشاف شرائح متعددة لعدد من الفلاسفة الغربيين، وانتصاره للاختلاف النسقي ، وسعيه للتحرر منه والهروب لجغرافيات تواصلية أخرى بها انتصار للفنون والسوسيولوجيا للإفلات من طغيان المنع الثقافي وأثر السياسي والإيديولوجي في الحاضر، مشيرا إلى نسجه سيرة مختلفة بها تطريز مغربي، فهو من يذهب للناس لكن ليس بمعاني المعرفة المصورة داخل المعاهد أو الجامعات، يضجر من المؤسسة وتحنيطها للحرية، مارس حريته في التحليق ضمن جغرافية السؤال والاختلاف والتفكيك، ليبقى أثره ممتدا في زمن الفكر المغربي والعربي لأنه يطرح السؤال المخلخل دائما ولا يدعي أبدا امتلاكه للجواب.

بدوره، أفاد نبيل فازيو، أستاذ الفلسفة والدراسات الاستشراقية في جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، بازدواجية بين التراث والحداثة، ليتمحور السؤال حول ماهية هوية البحث الفلسفي التي كان يتكلم عنها بنعبد العالي من وراء حجاب هذه الازدواجية الثقافية، معتبرا أن تعامل الخطاب الفلسفي بعد الحداثة كخطاب نقد للعقل في العالم العربي الذي لم يستوعب مواطنوه بالعقل ، وبالتالي لا حاجة لهم به بل بحاجة لخطاب يهم العقلانية، وهناك موقف آخر يهدف لإنعاش قوى التقليد، ليقدم بنعبد العالي حلا ثالثا يرتكز على الحاجة لخطاب ما بعد الحداثة، باعتباره ليس ترفا فكريا.

وأوضح فازيو أن أهم مراحل مشروع بنعبد العالي تهم قراءته للفارابي كتمرين حقيقي طبق فيه روح الانفصال في سياق قراءة تكاملية، إذ لم يقدم صورة متناغمة بل كان هاجسه التنقيب على الاختلافات التي تسكن نصوص الفارابي، قراءته كانت أول خطوة في تاريخ التشبع وتطبيق منطق الحداثة والفكر المعاصر، ليتبين أن فهم التراث لا يتم إلا بالتخلص من القراءات التقليدية، والإنصات للدرس الغربي، حينما سينتقل لمجاوزة الميتافيزيقا.

وقال فازيو إن تحرير التراث من هوس الهوية، وقراءة التراث العربي انطلاقا من شرط ممكن يهم تجاوز الكونية، يقدم الفلسفة المعاصرة في شكل مشروع غربي متجذر.

سيميولوجيا الحياة

وقال عبد الفتاح كيليطو، كاتب وروائي ومفكر وناقد،:” قد يكون المترجم عارفا باللغة المنقولة التي ينقل منها تمام المعرفة، حيث لا تغيب عنه أسرارها وخفاياها، ومع ذلك قد يتعمد الإخلال بها لتحسين النص المنقول وأن يضفي عليه جمالا ليس فيه ويرفع من شأنه، ليكتشف نفسه وقدرته على إنجاز ما لم يدر بخلد المؤلف الأصلي، فيشتغل على النص من جديد وبوسائله الخاصة، أو ربما يبدأ عملية الترجمة ويظهر له موضوع آخر شخصي في لغته هو، فعوض أن يقضي وقته في ترجمة غيره ارتأى تكريس جهوده لمشروع أدبي خاص”.

واعتبر كيليطو أن سوء الترجمة هو ربما ما يتيح تطور الأدب، علما أن تاريخ الأدب ما هو إلا سلسة ترجمات فاشلة لنص أصلي هو أيضا ترجمة.

بدوره، سجل محمد الحيرش،الباحث والأكاديمي المتخصص في التأويليات،أن كتابات المحتفى به الفلسفية لا تخضع لقانون ونظام صارم فهي متعددة وغير نسقية، لافتا إلى أنه خلف كل تشعب يكمن تناسب للنص المتشظي الذي على الرغم من تفرقه يوجد به تناسبات.

وقال الحيرش:”تفكير بنعبد العالي في الترجمة بما هي سؤال فلسفي وتأويل إلى جانب اهتمامه بسيميولوجيا الحياة اليومية، أجد نفسي أمام تأويلية متكاملة المعاني، في صميم ممارسة فلسفية متعددة المشاغل تستوحي مصدرها من عمق ثقافة تشكلت معالمها على يد نيتشه وهايدغر ودريدا وغيرهم، ثقافة تأويلية مستجدة تنعت بكونها بعد حداثية أسهم في بزوغها المنعطف الهيرمونيطيقي للعقل”.

وبشان أبرز تحولات مسار بنعبد العالي، أضاف الحيرش:” لقد مهد السبيل للتأويليات لتتبوأ منزلة للفكر وتغدو خاصية فلسفية ناظمة لتوجهاته، تتمثل في تأويل المثل الفلسفية المرجعية، كجزء لا يتجزأ من الفلسفة، في مقابل ذلك تتسم الممارسة الفلسفية بأنها تنكب على تحليل عينات من الإشكالات الفلسفية، فالتأويلية بما هي أفق للتفكير وعمق فلسفي يزودنا بحوافز وشروط للتفكير وليس بآليات ينبغي تطبيقها. على الرغم من تعدد المؤشرات في المعارف فإنها لم تنل بعد حقها من العناية، فالأستاذ له تأويلية بما يسهم في إبراز ملامحها وإبراز مكامن التجديد وتوسيع مجالات انطباقها على الآداب ومجالات أخرى”.

وأكد الحيرش على أن كتابات بنعبد العالي تقترح مسالك منفتحة في التأويل الفلسفي وفهم الأشياء على نحو ما تحدث وتتحقق، فهو لا يعد نفسه حامل أطروحة فلسفية كما لا تنطوي كتاباته على الانتماء للمشاريع الفكرية الكبرى التي راهن أصحابها على تقديم أجوبة لمآزق الفكر العربي وصعوباته.

وقال الحيرش:”لم يتردد بنعبد العالي في توجيه النقد للقراءات التي تعبر عن الماضي عن نزعة إرادية كما لو أن الأمر يتدخل بمستودع لاستعادة حقائقه المنسية وإحياء قيمه الغابرة، بموقف جدري، يمكننا الانعتاق من المتاهة التي لم يجد من عبارة لتوصيفها أوضح من تلك التي يقول فيها نيتشه أن من يبتعد عن التراث يعتبر حالة شاذة ومن يلتصق به يظل سجينا له وفي الحالتين نتجه للضياع. فالقراءة بالنسبة إليه عملية تواصلية مفتوحة مطمئنا لذاته واعتقاداته، لأن الدفع بالقول لحدوده القصوى يوجب الاعتراف أن الفلاسفة هم قلة، وعلى هذا الأساس يحبذ أن يسلك مسلكا آخر باعتماده على آليات للبحث والتفكير وتعقب معانيها”.

كائن متحيز

وأشار الحيرش إلى تفعيل بنعبد العالي لخاصية الكشف والإظهار بغرض الكشف عن مجريات الأمور وحدوثها ككائن متحيز في الزمان والمكان يرصد ويعري ويقاوم في التصاق بالحياة والعالم ويلتقط من الجزئيات والتشعبات ما لا يلتقطه من دأب على العموميات، لتصبح مقاومة البلاهة وفضح الأوثان سعيا لنموذج فكري وثقافي متجدد.

من جهته، شدد عبد العزيز كوكاس، كاتب وروائي وإعلامي، أن كتب المحتفى به تعلمه التواضع أمام المعرفة بإنتاج ممتد من الفلسفة للفكر وحقول معرفية يتداخل فيها السينما والمسرح والتشكيل والأدب، باعتباره مفكرا بهيا ومتنوعا يصعب القبض عليه.

وأضاف كوكاس:”هو إنسان لا يملك إلا المسافات التي تبعده، هو ليس مجرد مفكر مهتم بالفلسفة بل كاتب مسكون بحرقة السؤال، وشم على جسد الفكر والفلسفة المغربية والعربية، كون جيلا من العشاق ممن تلقوا بلهفة وحب ما تخطه يد الكاتب المحب للظل. اشتغل على ما لا يلتفت إليه الكثيرون، تميز بكتابة المقالة التأملية والفلسفية ينسال للمتواري الذي يعبرنا دوما والذي لا نملك الجرأة لمقاربته، ويمتلك قدرة مدهشة، يظل عصيا على التصنيف لأنه لم يلبس يوما جبة الداعية لتلك النظرية ليس لأنه يقيم في منطقة رمادية بل لأنه كائن مختلف لذا لم تخضع كتاباته للتدخل الإيديولوجي”.

وأشار كوكاس إلى أنه كان يصعب عليه وعلى مهتمين آخرين الاقتباس بكتابات بنعبد العالي للاستشهاد بها لأن كتبه كانت عصية عن الشهادة بكثافة سيميولوجية تحفز الفكر وتثير قلق السؤال، أي أنها عصية على التحول تبدو مثل كبة صوف تجسيد للمعنى العميق لمفهوم النص.

وقال كوكاس:”هو يقيم على الحدود بين أجناس إبداعية وحقوق فكرية شاسعة، لم يتخل عن الكفاءة المنهجية، كتابته مزيج بين المتعة والحيرة وحالة الانبهار وقلق التيه، لا نلمس فيها أثرا سابقا لأنه غير مقلد وكتاباته تشكل مختبرا مفتوحا، تلعب على حدود الخطر ولها مكرها الخاص في تعرية الأقنعة، خارج ترجماته وأبحاثه، جل كتبه تتسم بالتنوع والتعدد تبدو كمعرض تشكيلي تتنوع قطعه الجمالية يجمع بينها خيط ناظم في قاعة واحدة. تتسلخ بمكر التأويل بشكل زئبقي تتسلل لتفتيت ما بدا لنا صلابة ليصبح طينا أو مادة على هيئتها الاولى حتى تغدو غريبة عما اعتدنا رؤيتها عليه”.

ترجمة مسكونة

واعتبر كوكاس أن الامر يهم مفكرا يزرع الشك باليقين ، كتاباته عدوة التسطيحية والوثوقية، بحيث لا مكان للقارئ الهادئ الوديع لأنها كتابة تحفيزية بعيدا عن قانون الكسل الفكري تستدعي قارئا مشاكسا، إلى جانب أن ترجمته مسكونة بهاجس الإضاءة والكشف بإبداع ثان لنص الأول بتواز مع النص الأصلي، ليعلم كيفية انتعاش دلالات نص من لغته الأصلية للغة المترجم إليها حتى تغدو كل كتابة خيانة.

بدوره، لفت محمد آيت حنا، قاص وباحث ومترجم، أن بنعبد العالي يمارس نوعا من الكتابة كانت تصنف لوقت قريب كتابة وقحة لا تلقي بالا للمتعارف عليه أكاديميا.

وقال آيت حنا:” تعلمنا مع بنعبد العالي أن الأمر لا يتعلق بشرح ونصوص بل تحريك النصوص والمتون لتفصح عما لا تدركه هي نفسها، فكانت ممارسته بكتابة قلقة لا يهمها أن توضح بقدر ما يهمها أن تكون ممارسة منتجة. عرفنا معه مقاربة الفلسفة، وبين لنا ما تنطوي عليه الترجمة من طاقة تعرفنا عليها باعتبارها نفسها فلسفة، لم ينجرف لحمى ترجمة المجلدات والمصنفات التي ما انفكت تترسخ في عالمنا العربي، فالكتابة عنده مختبر للتفكير، نتعلم معه أن نبتكر أدواتنا ونحن نفكر لا أن نجهزها أولا، كتابته ليست كتابة جيل بل حساسية استطاع أن يعبر الأجيال وتلك إحدى ميزات الكتابة الفلسفية الأعمق باعتبارها لا زمنية”.

وقال المفكر عبد السلام بنعبد العالي في كلمة القاه في ختام الندوة التكريمية :”لا أدعى أنني أشق دروبا، أحمل لفظ “بريكولاج” علما أنه ليس لفظا انتقاصيا، فالتأليف بين عناصر المجموع لا علاقة له مع مشروع اللحظة وإنما نتيجة لا تخضع لضرورة سنحت بتجديد المخزون، بينما يشكل المهندس الذات الفاعلة وبناء وفق قواعد “البريكولور” الذي لا ينطلق من الطبائع البسيطة والتي يدركها العقل بداهة، وإنما مما يتوفر له من أدوات ووسائل لم تكن مهيئة قط بالضرورة، ليكون على أتم الاستعداد لهجرها إن تبدى له أن هناك أدوات أخرى أكثر منها ملاءمة.

وأضاف بنعبد العالي:”هو يستعمل ويعالج ويحول مجرى الأمور، يتأقلم مع ما يتوفر كي يخوض غمار البحث ويتحول مع مخاض الكتابة ،لا يعول على سند وتخطيطات ولا يتعلق بمستقبل واعد، فالمشاريع والأحلام لا معنى لها هنا، ما يتبقى أن يدبر حاله ويخترع ذاته باستعمال ما يوجد تحت اليد. يتلقى الفلسفة بطريقة لا تخلو من “بريكولاج” وصولا لاختيار مواضيع بحثه والاستعانة بأساتذته، يتسم بالمحدودية التي جاهد كل منا لتخطيها مساهمة في إرساء كتابة فلسفية”.

واعتبر بنعبد العالي أن كل من يشتغل بالكتابة يتبع عن غير وعي مسالك تخط له ومسارات ترسمها انشغالات اللحظة التاريخية التي يتفاعل معها، ليعمل وفق منطق لا يحيد عنه، خاصة أن لعمل الفكري يمثل السعي للاستفراغ وليس المراكمة.

وزاد مبينا:” وأن نتعلم أن نفكر أقل مما نفكر، ففي عوزنا الفكري يكمن غنى الفكر، نسبة لاغتناء وهمي، فلا يمكن للفلسفة اليوم أن تكون إلا تفاعلا مع نبضات الحياة المعاصرة لمقاومة ما يسودها من أشكال البلاهة باستدعاء كتابة أقل للتجربة اللحظية وهو ما جعل كتاباتي أشبه بتكريس الانفصال”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى