“أصيلة الجميلة”..معرض تشكيلي لمحمد عنزاوي بالدار البيضاء

ناقدة فنية لبنانية: مستودع لكبار الرواد

يشهد رواق “فيلا دو لابورت”، بمدينة الدار البيضاء، تنظيم معرض للفنان التشكيلي محمد عنزاوي، بعنوان”أصيلة الجميلة” وذلك بين 15 ديسمبر الحالي و31 يناير المقبل.

وأفادت منى أنس الحساني، في تقديم للمعرض، أن من يتجول خلف أسوار أصيلة، لا يستطيع الهروب من تأثير هذه الريح الخلاقة التي تخترق الهواء، حيث امتزجت ذكريات الفنانين الذين ازدهرت أعمالهم على مدى الشواطئ الشاسعة، في تداخل مع ما يوجد داخل أسوار المدينة، مما جعل من المدينة مكانا مفضلا للفنانين وغيرهم ممن لديهم حساسية تجاه الإبداعات الفنية.

وأشارت الحساني إلى أول مرة التقت فيها عنزاوي؛ في ورشة للحفر، كان يديرها النحات السوداني محمد عمر خليل.

وسجلت الحساني تأثرها الكبير بعمل الفنان التشكيلي، الغني والحيوي والمستقل، خاصة أنه غير منفصل عن أسوار المدينة، المغطاة هي الأخرى بالرياح والمحيط والرسومات على الجدران.

وزادت مبينة:”ربطتني كل طبقة من المادة التي تمكنت من تمييزها بحياة قديمة، بإحساس جديد، أُقدر كل قطرة، كل نحت، كل شق بين الخدوش والتجريفات؛ قرّبتني عيني المستندة على هذا الطرس الضخم من قلب الفنان ومن قلب المدينة التي كانت تحيط بنا. تماماً كالأسوار التي تآكلت على مر السنين”.

وأضافت الحساني:”بدا كأن العمل قد كابد ثقل الزمن، وقد كشف عن نفسه بفضله، دون أن أتمكن من تحديد ما حُدّد، مصاحباً أو متروكاً لتقلبات البحر”.

وأكدت الحساني تأثر عنزاوي بأعمال فنانين مثل سعد الحساني، وفريد بلكاهية، ومحمد المليحي، ومحمد القاسمي، وفؤاد بلامين، كفنانين كبار  عبروا المغرب، مثله، وكشفوا عن هذه المادة الشعرية الحية التي لا يمكن لعاشق الفن إلا أن يحبها.

وقالت الحساني:”هم فنانون شاركوا في مهرجان أصيلة الذي أسسه اثنان من أبناء البلد: محمد بن عيسى، والراحل محمد المليحي. وأتذكر الفرح الذي ساد شوارع وورشات المدينة خلال هذا المهرجان المشحون بالعواطف، والذي ظل دائماً مكاناً للاحتفال، تحت النظرة الحانية للفنانة مليكة اجزناي”.

بدوره، أوضح الطاهر بن جلون، كاتب وشاعر وفنان تشكيلي، أنه اكتشف عمل عنزاوي في منزله بقرية بالقرب من أصيلة، ثم في محترفه الذي يتقاسمه مع فنانين آخرين في المدينة.

وقال بن جلون:”تأثرت بسرعة بالإيماءات والحركة التي تقدمها اللوحة. تصبح اللوحات الكبيرة مسافات يتم اجتيازها؛ كما في الحلم، من خلال العناصر الطائرة، والصور المرسومة بالكاد، والشخصيات الخارجة من ذاكرة (جياكوميتي)، والنجوم المتجولة، وحبات الرمل المتخفية في شكل زهور برية، خصوصاً أملاً عظيماً وجميلاً على الرغم من حالة القلق”.

وشدد بن جلون على أن عنزاوي يرسم يدويا، بعيدا من العمل الفكري، أو لنقل تجريدا، بلوحات ليست رمزية، حتى وإن كانت المواد المستخدمة تذكرنا بالأرض، ووجه القمر، والفضاء الذي ترجه الرياح التي تعيد الأرض الذهبية أو الملونة بالوردي في وهج يسحر، بوجود شيء إنساني؛ إنسانية متواضعة، بسيطة وغنية بالمشاعر.

وحول علاقته الأولى بأعمال عنزاوي، يقول بن جلون: “عندما أتذكر اللوحات التي رأيتها لأول مرة بعد ظهر أحد الأيام عند غروب الشمس، أتخيل عائلة تمسك بأيديها، على قلب واحد، في مواجهة عزلة العالم”.

وقال بن جلون إن عنزاوي أدرك هذا القلق وترجمه عبر روح الدعابة والسخرية إلى درجة أن العمل يصبح مرآة تعيد صور سلام طال انتظاره. فعالمه هو عالم قلق؛ ولكنه مبتسم، في سماء يمثل فيها كل نجم قصة وذكرى لقاء.

وأضاف بن جلون:”وسواء كانت فتاة صغيرة تلعب الحجلة أم القفز على الحبل، وسواء كان ذلك رجلاً نحيفاً برأس محدد، أو مجرد رذاذ من الزهور المعدنية، فإن المساحة التي تشغلها هي دعوة لتجاوز ما نراه على الفور؛ لأنه خلف هذه العلامات المتناثرة، هناك طبقة أخرى من الحياة، خيال لا يرضي بسهولة، لا يكتفي بتوضيح أسئلتنا المتعددة والمتنوعة”.

ودعا بن جلون إلى ضرورة الانتباه لعمل هذا الفنان بجاذبية رجل يوفق بين الخام والمطبوخ؛ بين الماضي والمستقبل، الأرض والنجوم، خاصة عندما تبتكرهم يده بكرم وموهبة وإنسانية.

من جانبها، تعتبر فاتن صفي الدين، مؤرخة وناقدة فنية لبنانية، أن عنزاوي يكشف عن نفسه، في وضح النهار، في أعمال ناضجة، بارعة، حساسة وقوية. للوهلة الأولى، تلتقط المادة ثراءً وتعقيداً شديدين على الفور.

وكشفت صفي الدين أن عنزاوي يتعاطى في أعماله الأخيرة، أكثر من أي وقت مضى، مع المادة، ينشرها أحياناً على لوحات ضخمة، يعيد بها اكتشاف رغبات طفولته الأولى.

وأشارت صفي الدين إلى مقولة لعنزاوي مفادها:”بالنسبة إلينا جميعاً، نحن أطفال أصيلة، كان البحر والشاطئ لعبنا ولعبتنا الأولى. اللوحة والمواد الخام في الوقت نفسه. نجد هناك الرمل والمياه، الجير والطين، وحتى القطران الذي لفظته المراكب والذي أذهلني بسواده وانعكاساته”.

واستعرضت صفي الدين طفولة عنزاوي، وعلاقته بالبحر والشاطئ الرملي، قائلة:”حيث تولد اللوحات المتحركة والعابرة، وحيث تمحو موجة دائماً أكثر الهذيان جنوناً، والذي رسم على الجسد الذهبي للشاطئ، فيقول البحر، هنا، مثل الحياة، يستعيد الكنوز التي وهبها. الشاطئ أيضاً منجم لا ينضب للمواد. ولكن هناك أيضاً ما هو أكثر ديمومة ولكن في تغيير دائم؛ جدران المدينة الأطلسية، جسد أبيض مع زرقة، مبيّض في طبقات متتالية تتعرض، تحت هجمة الوقت وسوء الأحوال الجوية، لتشققات تكشف عن آثار ما كان ولم يعد”.

وأضافت صفي الدين:”ما زال عنزاوي وأطفال أصيلة، حتى يومنا هذا، بطرف مسمار أو حصاة، بالخدش والتمزيق والحفر بالرماد أو الطين، يرسمون علامات هم وحدهم من يحمل سرها. ومثل خليل الغريب ومعاد الجباري وسهيل بن عزوز، وفؤاد بلامين، ابن مدينة فاس، سيبقى الطفل سليماً في أعماق عنزاوي”.

وشددت صفي الدين على أن عنزاوي، وعلى مدار المهرجانات والمناسبات الفنية، خالط الفنانين المكرسين، من جميع الأطياف. لتتغير رؤيته حول الفن وامتهانه. كما سيلتقى كبار المشهد التشكيلي المغربي ويعاين طريقة عملهم، حيث رأى ميلود لبيض وسعد الحساني ومحمد قاسمي. كانت هناك لوحات ضخمة أمام عينيه، وخلط للمواد والأصباغ. كانت نعمة غير متوقعة بالنسبة إلى من لم يتمكن من متابعة تكوين أكاديمي مختص.

وأفادت صفي الدين بأن عنزاوي تعلم من كل هؤلاء الأساتذة نظام العمل قبل كل شيء، الصبر والعناد، تكريس كامل الوقت للفن، من دون أي تنازلات أو استخفاف بكل شيء أو شخص، فضلا عن إيمانه بأن الفن عمل جاد، وليس ترفيها موجها للأطفال والمجانين، كما أن الرسم فعل مهم ومقدس، تماماً كإبداع كتاب أو تأليف موسيقى.

وخلصت صفي الدين إلى أن عنزاوي يظل مستودعا لتجارب كبار الرواد الذين أثروا في نظرته وحساسيته، مثل خليل الغريب وميلود لبيض، ومحمد قاسمي، وسعد الحساني، وفؤاد بلامين… وغيرهم من الفنانين الأصغر سناً، كعبد الرحيم يامو، والتباري كنتور، ونجية مهادجي ، وأمينة بنبوشتة، لتبقى الحقيقة أن عنزاوي، الغني بكل هذه الإنجازات، يرسم الآن طريقه الخاص؛ الفريد والمخلص للغاية، ليثبت نفسه اليوم واحداً من أكثر الآمال الواعدة للفن المغربي المعاصر.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى